أوقات وأحوال يُرجى فيها قبول الدعاء بالأدلة الصحيحة
تعرّف على الأوقات والأحوال التي يُرجى فيها قبول الدعاء: ثلث الليل الآخر، والسجود، وبين الأذان والإقامة، وساعة الجمعة، ويوم عرفة، ودعوة المظلوم والمسافر.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
باب الدعاء مفتوح في كل لحظة، والله تعالى سميع قريب يجيب الداعي متى دعاه. غير أن من رحمته سبحانه أن خصّ أوقاتاً وأحوالاً بمزيد فضل، يكون الدعاء فيها أرجى للقبول، ليجتهد العباد فيها ويتعرضوا لنفحات ربهم.
في هذا المقال نجمع أهم هذه الأوقات والأحوال مما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، مع بيان الخلاف المعتبر حيث وُجد، ونصائح عملية تساعدك على اغتنامها في يومك وأسبوعك وعامك، دون أن يكون ذلك سبباً في إهمال الدعاء في سائر الأوقات.
الدعاء مقبول في كل وقت، وهذه مواسم رجاء
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
هذه الآية وعد عام لا يتقيد بزمان ولا مكان، فمن دعا الله بشروط الدعاء وآدابه رُجيت له الإجابة في أي ساعة. أما الأوقات المذكورة في هذا المقال فهي مواطن يجتمع فيها شرف الزمان أو صدق الحال، فيقوى فيها الرجاء. والمؤمن الفطن يدعو في كل وقت، ويخص هذه المواطن بمزيد اجتهاد وإلحاح، كمن يتاجر طوال العام لكنه يضاعف جهده في المواسم.
ولاحظ أهل العلم أن هذه الآية جاءت في أثناء آيات الصيام من سورة البقرة، ففي ذلك إشارة إلى أن شهر الصيام موسم عظيم للدعاء. وقد ذكر بعض أهل العلم أن دعاء الصائم في أثناء صيامه مما يُرجى قبوله، لما يجتمع فيه من الطاعة وانكسار النفس.
أوقات الليل: الثلث الأخير وساعة كل ليلة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له».
رواه البخاري (1145) ومسلم (758).
هذا أشرف أوقات الدعاء في اليوم والليلة، وفيه يجتمع هدوء الليل وصفاء القلب وبعد العبد عن أعين الناس، فيكون دعاؤه أقرب إلى الإخلاص. ولا يشترط لاغتنامه قيام طويل؛ فمن استيقظ قبل الفجر بدقائق فتوضأ وصلى ركعتين ودعا فقد أصاب حظاً منه.
عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة».
رواه مسلم (757).
ومن أحوال الليل المباركة أن يستيقظ المسلم من نومه فيذكر الله ثم يدعو؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» (رواه البخاري 1154). ومعنى «تعارّ»: استيقظ من نومه وتقلّب في فراشه.
أوقات مرتبطة بالصلاة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة».
رواه أبو داود (521) والترمذي (212)، وصححه الألباني.
وهذا وقت يتكرر خمس مرات كل يوم، ويغفل عنه كثير من الناس بالحديث أو بالهاتف، ومن اعتاد التبكير إلى المسجد وجد فيه فرصة يومية ثمينة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
رواه مسلم (482).
والسجود غاية الذل لله، إذ يضع العبد أشرف أعضائه على الأرض، فناسب أن يكون أقرب أحواله إلى ربه. ويُشرع الإكثار من الدعاء فيه، ولا سيما في صلاة النافلة حيث يتسع المقام للإطالة.
ومن مواطن الدعاء في الصلاة كذلك آخرها بعد التشهد وقبل السلام؛ ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه في تعليم التشهد قال النبي ﷺ: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» (رواه البخاري 835 ومسلم 402).
أيام وليالٍ فاضلة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه»، وأشار بيده يقللها.
رواه البخاري (935) ومسلم (852).
واختلف أهل العلم في تعيين هذه الساعة على أقوال، أشهرها قولان: الأول أنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة، لحديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعاً: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» (رواه مسلم 853). والثاني أنها آخر ساعة بعد العصر، لحديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» (رواه أبو داود 1048 والنسائي 1389، وصححه الألباني). والأحوط للمسلم أن يجتهد في الوقتين جميعاً.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
رواه الترمذي (3585)، وحسّنه الألباني.
ويوم عرفة موسم للحاج الواقف بعرفة، ويرجو غير الحاج كذلك أن يناله من فضل الدعاء فيه. أما ليلة القدر فهي خير من ألف شهر، وقد علّم النبي ﷺ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها دعاءً جامعاً تقوله فيها:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
رواه الترمذي (3513) وابن ماجه (3850)، وصححه الألباني.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي
يُكثر منه في ليالي العشر الأواخر من رمضان
أحوال الداعي التي تُرجى معها الإجابة
ليست الإجابة مرتبطة بالأوقات وحدها، بل بأحوال يكون فيها القلب منكسراً أو الدعوة خالصة من حظ النفس:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده».
رواه أبو داود (1536) والترمذي (1905)، وحسّنه الألباني.
وفي وصية النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (رواه البخاري 1496 ومسلم 19). وفي هذا تحذير لكل من يملك سلطة على غيره، وتسلية لكل مظلوم بأن شكواه مرفوعة إلى الله. وكما تُرجى دعوة الوالد على ولده، فدعوته له أولى وأحرى، فليحرص الآباء على الدعاء لأبنائهم بالخير وليجتنبوا الدعاء عليهم.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل».
رواه مسلم (2733).
ومن أعظم الأحوال حال الاضطرار، حين تنقطع الأسباب ولا يبقى للعبد ملجأ إلا الله، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].
كيف تغتنم هذه الأوقات عملياً؟
- اضبط منبهاً قبل الفجر بربع ساعة ولو مرة أو مرتين في الأسبوع، وابدأ بأذكار الاستيقاظ ثم ركعتين ودعاء.
- اجعل لنفسك قائمة دعوات ثابتة تكررها بين الأذان والإقامة، فلا تضيع الدقائق في التفكير فيما تقول.
- أطل السجود في السنن والنوافل، وادعُ فيه بما تحفظ من الأدعية المأثورة وبما في نفسك.
- خصص آخر ساعة من عصر الجمعة للدعاء، واجتهد كذلك من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة.
- ادعُ لإخوانك بأسمائهم بظهر الغيب، فيؤمّن الملك ويكون لك مثل ما دعوت.
- استعن بعدّاد تسبيح على ورد يسير من «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» في العشر الأواخر، ومن الأذكار في هذه المواطن.
تنبيهات مهمة
- هذه أوقات رجاء لا ضمان؛ فالإجابة بيد الله، وتحصل بإحدى صورها: تعجيل الطلب، أو ادخار الأجر، أو صرف سوء مثله.
- لا يُترك الدعاء في غير هذه الأوقات بحجة انتظارها، فالله قريب في كل حين.
- شرف الوقت لا يغني عن آداب الدعاء؛ كالإخلاص، وطيب المطعم، وحضور القلب، وترك الاستعجال.
- لا يُخصَّص وقت أو حال بفضيلة في الدعاء إلا بدليل صحيح، والحذر من الأحاديث الضعيفة المنتشرة في هذا الباب.
والخلاصة أن المسلم يعيش مع الدعاء طوال يومه، ثم يزداد اجتهاده في ثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وآخر الصلاة، وفي ساعة الجمعة، ويوم عرفة، وليالي القدر، وفي أحوال الانكسار والاضطرار. ومن جعل هذه المواطن جزءاً من برنامجه الثابت وجد في قلبه أنساً بالله لا يعدله شيء.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب التهجد وكتاب الجمعة.
- صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وكتاب الجمعة.
- سنن أبي داود.
- سنن الترمذي، كتاب الدعوات.
- سنن النسائي وسنن ابن ماجه.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.