فضل يوم عرفة وأفضل الذكر والدعاء فيه

فضل يوم عرفة في القرآن والسنة الصحيحة: تكفير السنتين بصيامه، والعتق من النار، وخير الدعاء فيه، مع برنامج عملي لغير الحاج لاغتنام هذا اليوم العظيم.

يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو قلب موسم الحج وأعظم أيامه، يقف فيه الحجاج على صعيد عرفات متضرعين، ويشاركهم المسلمون في أنحاء الأرض بالصيام والذكر والدعاء. يوم أكمل الله فيه الدين، وأتم فيه النعمة، ويعتق فيه من النار ما لا يعتق في غيره.

في هذا المقال نعرض فضائل يوم عرفة الثابتة في القرآن والسنة الصحيحة، ونبيّن أفضل ما يقال فيه من الذكر والدعاء، ونوضح حكم صيامه للحاج وغيره، ثم نقترح برنامجاً عملياً لمن لم يكتب له الحج حتى لا يمضي هذا اليوم كسائر الأيام.

يوم إكمال الدين وإتمام النعمة

من أعظم ما شُرّف به يوم عرفة أن الله أنزل فيه آية إكمال الدين على نبيه ﷺ وهو واقف بعرفة في حجة الوداع:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾

سورة المائدة: 3

وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فأخبر عمر رضي الله عنه أنه يعرف اليوم والمكان الذي نزلت فيه، وأنها نزلت على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة. رواه البخاري (45) ومسلم (3017).

فيوم عرفة يوم تمام الرسالة، ومن تأمل ذلك أدرك أن نعمة الإسلام هي أعظم نعمة يشكر الله عليها في هذا اليوم؛ فيجدد العبد فيه رضاه بالإسلام ديناً، وعزمه على التمسك به حتى يلقى الله.

يوم العتق من النار ومباهاة الملائكة

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟».

رواه مسلم (1348).

في هذا الحديث بشارة عظيمة؛ فأكثر أيام السنة عتقاً من النار هو يوم عرفة، والله سبحانه يباهي ملائكته بعباده الذين جاؤوا شعثاً متواضعين يرجون رحمته. وفضل الله واسع، فيرجو المسلم في كل مكان أن يناله من هذا العتق نصيب بصدق توبته وكثرة دعائه.

ويوم عرفة هو ركن الحج الأعظم، كما قال النبي ﷺ: «الحج عرفة»، رواه أبو داود (1949) والترمذي (889)، وصححه الألباني. فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، وهذا يبيّن مكانة هذا اليوم في هذه الشعيرة العظيمة.

صيام يوم عرفة لغير الحاج

عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».

رواه مسلم (1162).

صيام يوم واحد يكفّر الله به ذنوب سنتين؛ وهذا من عظيم فضل الله وكرمه. وقد ذكر أهل العلم أن المراد بالتكفير صغائر الذنوب، وأما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة، فيجمع الصائم إلى صيامه التوبة الصادقة من كل ذنب.

أما الحاج الواقف بعرفة فلا يُشرع له صيامه؛ فعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام النبي ﷺ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه. رواه البخاري (1988) ومسلم (1123). والحكمة في ذلك، كما ذكر العلماء، أن يتقوّى الحاج على الدعاء والذكر في هذا الموقف الطويل.

خير الدعاء وخير الذكر يوم عرفة

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».

رواه الترمذي (3585)، وحسّنه الألباني.

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

يُكثر منها يوم عرفة

هذه الكلمة جامعة لأصول التوحيد: فـ«لا إله إلا الله» نفي لكل معبود سوى الله وإثبات للعبادة له وحده، و«وحده لا شريك له» تأكيد لهذا الإفراد، و«له الملك» إقرار بأنه المالك المتصرف في كل شيء، و«له الحمد» اعتراف بأنه المستحق للثناء الكامل، و«وهو على كل شيء قدير» يقين بأنه لا يعجزه شيء مما يسأله العبد.

ومن لطيف الفقه في هذا الحديث أن النبي ﷺ ذكر «خير الدعاء» ثم جاء بذكر هو ثناء خالص؛ وقد بيّن أهل العلم أن الثناء على الله من أعظم أسباب الإجابة، فمن شغله ذكر الله والثناء عليه أعطاه الله ما يرجو. فيجمع المسلم في هذا اليوم بين الإكثار من التهليل، والدعاء بحاجاته في الدنيا والآخرة بما شاء من الأدعية الجامعة.

من هدي عرفة: خطبة الوداع والذكر بعد الإفاضة

في يوم عرفة خطب النبي ﷺ خطبته الجامعة التي رواها جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ، وكان من قوله فيها: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، رواه مسلم (1218). فقرّر فيها حرمة الدماء والأموال، وأوصى بالنساء خيراً، وأوصى بالاعتصام بكتاب الله.

ثم بيّن القرآن ما يكون بعد عرفة من ذكر الله عند المشعر الحرام والاستغفار:

﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ۝ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

سورة البقرة: 198–199

فالذكر والاستغفار يحيطان بالعبادات العظيمة من أولها إلى آخرها، ليبقى العبد متواضعاً لربه، معترفاً بتقصيره مهما اجتهد.

برنامج عملي لغير الحاج يوم عرفة

  1. انوِ صيام يوم عرفة من الليل، وتسحّر ولو بشيء يسير.
  2. صلِّ الفجر في وقتها، ثم اقرأ أذكار الصباح، واجلس ما تيسر في ذكر الله.
  3. أكثر من التهليل «لا إله إلا الله وحده لا شريك له…» طوال اليوم، واجعل لنفسك هدفاً محدداً تستعين على بلوغه بعدّاد تسبيح.
  4. كبّر الله في كل وقت، وابدأ التكبير المقيد عقب الصلوات المفروضة من فجر هذا اليوم عند كثير من أهل العلم.
  5. اقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر، ولو جزءاً أو بعض جزء.
  6. أكثر من الاستغفار والتوبة، واستحضر ذنوبك واعزم على تركها.
  7. تفرّغ للدعاء خاصة من العصر إلى المغرب، فهو آخر النهار وخلاصته، وادعُ لنفسك ولوالديك وأهلك وللمسلمين المستضعفين في كل مكان.
  8. تصدّق ولو بالقليل، فالصدقة في الأيام الفاضلة مضاعفة الأجر.

ويحسن أن تكتب قبل هذا اليوم قائمة بحاجاتك ودعواتك وأسماء من تحب أن تدعو لهم، حتى لا يفوتك شيء عند الدعاء، وأن تبتعد عن الانشغال بالهاتف ووسائل التواصل في الساعات الأخيرة من النهار.

تنبيهات مهمة

يشتهر على ألسنة بعض الناس أن الحجة التي يوافق فيها يوم عرفة يوم الجمعة تعدل سبعين حجة، وهذا لا يثبت عن النبي ﷺ. وإنما يُذكر أن اجتماع فضل اليومين خير، كما وافق يوم عرفة في حجة النبي ﷺ يوم الجمعة، دون تحديد ثواب معين لم يرد به دليل.

ولا يُشرع تخصيص يوم عرفة بصلاة معينة أو أذكار بأعداد مخصوصة لم ترد، والمشروع الإكثار من الذكر والدعاء المطلق بما ثبت. ومن الخطأ أن يصوم المرء ثم يقضي يومه في النوم والغفلة، فيكون قد حصّل الصيام وفاته خير الدعاء.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب الإيمان وكتاب الصوم.
  3. صحيح مسلم، كتاب الصيام وكتاب الحج وكتاب التفسير.
  4. سنن أبي داود، كتاب المناسك.
  5. سنن الترمذي، كتاب الحج وكتاب الدعوات.
  6. صحيح الجامع الصغير للألباني.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.