فضل العشر الأوائل من ذي الحجة والتكبير فيها
تعرّف على فضل العشر الأوائل من ذي الحجة في القرآن والسنة، وصيغة التكبير المطلق والمقيد، وفضل صيام عرفة ويوم النحر والأضحية، مع برنامج عملي لاغتنامها.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
العشر الأوائل من ذي الحجة أيام عظيمة اجتمعت فيها أمهات العبادات: الصلاة والصيام والصدقة والحج والذكر، ولا يتأتى ذلك في غيرها من أيام السنة. وقد أقسم الله بها في كتابه، وأخبر النبي ﷺ أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من العمل في سائر الأيام.
يتناول هذا المقال فضل هذه الأيام من القرآن والسنة الصحيحة، وصيغة التكبير الثابتة عن الصحابة، والفرق بين التكبير المطلق والمقيد، وفضل يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ثم يقترح برنامجاً عملياً يعين على اغتنامها لمن لم يكتب له الحج ومن كُتب له.
فضل العشر في القرآن الكريم
أقسم الله تعالى في مطلع سورة الفجر بالليالي العشر، والله لا يقسم إلا بعظيم:
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
وقد ذهب كثير من المفسرين، ومنهم ابن كثير في تفسيره، إلى أن المراد بها عشر ذي الحجة. وقال تعالى في سياق الحديث عن الحج:
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾
وقد ذكر البخاري في صحيحه معلّقاً في كتاب العيدين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الأيام المعلومات هي أيام العشر، وأن الأيام المعدودات هي أيام التشريق. فالقرآن يربط هذه الأيام كلها بذكر الله تعالى، وهذا هو سرّ التكبير الذي يملأ الأفواه والأسواق والبيوت فيها.
العمل الصالح فيها أحب إلى الله
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
رواه البخاري (969) بنحوه، وأبو داود (2438) والترمذي (757) واللفظ لأبي داود.
هذا الحديث أصل عظيم في فضل هذه الأيام؛ فقد جعل العمل الصالح فيها مقدّماً على الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال، إلا جهاداً بلغ صاحبه فيه الغاية ببذل النفس والمال جميعاً. ولفظ «العمل الصالح» عام يشمل كل طاعة: الصلاة في وقتها، والنوافل، وقراءة القرآن، والذكر، والصيام، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس، والتوبة الصادقة من الذنوب.
والصيام من جملة العمل الصالح الذي يدخل في عموم هذا الحديث، وأما صيام يوم عرفة خاصة فقد ثبت فيه فضل منصوص سيأتي بيانه. ومن نوى أن يضحّي فقد ورد في صحيح مسلم (1977) نهيه عن الأخذ من شعره وأظفاره إذا دخلت العشر حتى يضحّي، واختلف أهل العلم في هذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة.
التكبير في العشر: صيغته وأنواعه
من أظهر شعائر هذه الأيام التكبير، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يجهرون به ويُحيون هذه السنة بين الناس؛ فقد ذكر البخاري معلّقاً في كتاب العيدين أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهم كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما.
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة في المصنف
ومعنى «الله أكبر» أن الله أعظم من كل شيء، وأجلّ من أن يُقارَن به شيء من الدنيا ومتاعها، فإذا كبّر المسلم استصغر في قلبه كل ما سوى الله. وفي الجمع بين التكبير والتهليل والتحميد توحيد وتعظيم وشكر في كلمات يسيرة.
وقسّم كثير من أهل العلم التكبير في هذه الأيام إلى نوعين:
- التكبير المطلق: وهو الذي لا يتقيد بوقت، فيُشرع في كل الأوقات من أول دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق، في البيوت والطرقات والأسواق والمساجد، ويجهر به الرجال.
- التكبير المقيد: وهو الذي يكون عقب الصلوات المفروضة، ويبدأ عند كثير من أهل العلم لغير الحاج من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.
وتختلف عبارات العلماء في بعض تفاصيل الصيغ والأوقات، والأمر فيه سعة، ومن أراد التفصيل في حالته فليسأل أهل العلم في بلده.
يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق
عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
رواه مسلم (1162).
وهذا الفضل لغير الحاج، وقد فصّلنا فضل هذا اليوم وأذكاره في مقال مستقل. ثم يأتي يوم النحر، وهو يوم العيد الأكبر، وقد قال فيه النبي ﷺ: «إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القر»، رواه أبو داود (1765)، وصححه الألباني. ويوم القرّ هو اليوم الحادي عشر، سُمّي بذلك لأن الحجاج يستقرون فيه بمنى.
وفي يوم النحر تُذبح الأضاحي اقتداءً بالنبي ﷺ؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر»، رواه البخاري (5565) ومسلم (1966). وتتبعه أيام التشريق التي قال فيها النبي ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله»، رواه مسلم (1141)؛ فهي أيام فرح بنعم الله مقرون بذكره وشكره، لا أيام غفلة ولهو.
فضل الحج والعمرة
وفي هذه الأيام يؤدي الحجاج الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد بشّر النبي ﷺ الحاج الذي يحفظ حجه من الرفث والفسوق بمغفرة شاملة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
رواه البخاري (1521) ومسلم (1350).
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
رواه البخاري (1773) ومسلم (1349).
ومن لم يتيسّر له الحج هذا العام فلا ييأس؛ فإن الله فتح له في هذه العشر أبواباً من العمل الصالح يدرك بها من الأجر شيئاً عظيماً، ويجعل نيّته الصادقة للحج إذا استطاع زاداً يحمله إلى أن ييسّر الله له ذلك.
برنامج عملي لاغتنام العشر
- ابدأ بالتوبة الصادقة ورد المظالم، فهي أول ما يستقبل به العبد مواسم الخير.
- حافظ على الصلوات في أوقاتها، وأضف إليها السنن الرواتب وصلاة الضحى وشيئاً من قيام الليل.
- أكثر من التكبير والتهليل والتحميد في كل وقت، وأحيِ هذه السنة في بيتك وبين أهلك، واستعن بعدّاد التكبير على موقع تسبيح لتحديد هدف يومي.
- اجعل لك ورداً يومياً من القرآن، ولو جزءاً واحداً، مع التدبر.
- صم ما تيسّر من الأيام التسعة، واحرص على صيام يوم عرفة إن لم تكن حاجاً.
- تصدّق كل يوم ولو بالقليل، فالصدقة في الأيام الفاضلة يعظم أجرها.
- صل رحمك، وبرّ والديك، وأدخل السرور على أهلك وجيرانك.
- أعدّ أضحيتك إن كنت مستطيعاً، واذبحها بعد صلاة العيد مسمّياً مكبّراً.
والعبرة في هذه الأيام بالمداومة والإخلاص لا بكثرة العمل في يوم ثم الانقطاع؛ فاختر من هذا البرنامج ما تقدر على الدوام عليه طوال الأيام العشر، ثم زد عليه ما استطعت.
خلاصة
عشر ذي الحجة موسم سنوي قصير، أقسم الله به، وجعل العمل الصالح فيه أحب إليه من غيره، وختمه بيوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وأيسر ما يغتنم به المسلم هذه الأيام أن يُكثر من ذكر الله وتكبيره، وأن يجمع إلى ذلك ما استطاع من الصيام والصدقة والقرآن والإحسان، مخلصاً لله، راجياً قبوله.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- تفسير ابن كثير.
- صحيح البخاري، كتاب العيدين وكتاب الحج وكتاب الأضاحي.
- صحيح مسلم، كتاب الصيام وكتاب الحج وكتاب الأضاحي.
- سنن أبي داود، وسنن الترمذي.
- المصنف لابن أبي شيبة.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.