فضائل شهر رمضان وما يُستحب فيه من الذكر والعبادة

دليل شامل لفضائل شهر رمضان من القرآن والسنة الصحيحة: الصيام والقيام وليلة القدر والعشر الأواخر، مع أذكار الفطر والسحور وخطة يومية عملية للعبادة.

شهر رمضان موسم الخير الأكبر في حياة المسلم؛ فيه أُنزل القرآن، وفيه فُرض الصيام، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر. يستقبله المؤمن كل عام وهو يرجو أن يخرج منه وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه، وأن يكون قد بنى فيه عادات صالحة تبقى معه بقية العام.

في هذا المقال نجمع ما ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة من فضائل هذا الشهر، ونبيّن الأذكار والأدعية الثابتة فيه، ثم نضع بين يديك خطة يومية عملية توزّع فيها وقتك بين القرآن والذكر والصلاة والصدقة، مع التنبيه على بعض الأحاديث المشتهرة التي لا تصح.

رمضان في القرآن الكريم

افتتح الله تعالى آيات الصيام بنداء الإيمان، وبيّن أن غايته الكبرى هي التقوى؛ فالصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل تدريب للقلب على مراقبة الله في السر والعلن.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

سورة البقرة: 183

ثم ربط سبحانه هذا الشهر بنزول القرآن، فكان ذلك أعظم ما يُعرف به رمضان، ولذلك كان القرآن هو العبادة الأولى التي ينبغي أن يُقبل عليها الصائم:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾

سورة البقرة: 185

ومن لطائف القرآن أن الله تعالى وضع آية الدعاء في وسط آيات الصيام، إشارةً إلى أن الصائم قريب من ربه، وأن أيام الصيام ولياليه من أرجى أوقات الدعاء:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

سورة البقرة: 186

وأنزل الله سورة كاملة في شأن ليلة القدر، يبيّن فيها شرفها وتنزّل الملائكة فيها، وأنها سلام إلى طلوع الفجر:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾

سورة القدر: 1–5

فضائل الصيام والقيام في السنة الصحيحة

وردت في السنة الصحيحة أحاديث كثيرة تبيّن أن رمضان موسم للمغفرة الشاملة، وأن هذه المغفرة معلّقة بشرطين: الإيمان، أي التصديق بفرضية الصيام وما وعد الله عليه، والاحتساب، أي طلب الأجر من الله وحده لا رياءً ولا عادة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».

رواه البخاري (38) ومسلم (760).

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».

رواه البخاري (37) ومسلم (759).

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين».

رواه البخاري (1899) ومسلم (1079).

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه».

رواه البخاري (1904) ومسلم (1151).

والصيام كذلك وقاية للمسلم من المعاصي في الدنيا ومن النار في الآخرة، ولذلك أرشد النبي ﷺ الصائم إلى ضبط لسانه وجوارحه، فقال: «الصيام جنة… فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم»، رواه البخاري (1894) ومسلم (1151). وحذّر من صيام الجسد مع إطلاق اللسان في الباطل فقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري (1903).

هدي النبي ﷺ في رمضان: القرآن والجود

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن…».

رواه البخاري (6) ومسلم (2308).

يجمع هذا الحديث ركنين من هدي النبي ﷺ في رمضان: مدارسة القرآن كل ليلة، والجود والكرم. فالمدارسة تعني القراءة مع التدبر والمراجعة، لا مجرد الإسراع في الختم، والجود يشمل الصدقة وإطعام الطعام وبذل الوقت والجهد في نفع الناس. ومن أعظم أبواب الجود في هذا الشهر تفطير الصائمين:

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً».

رواه الترمذي (807)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.

ومن الأعمال الفاضلة في هذا الشهر العمرة لمن تيسّرت له، فقد قال النبي ﷺ: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، رواه البخاري (1782) ومسلم (1256). ومعناه عند أهل العلم أنها تعدلها في الثواب، لا أنها تُغني عن حجة الإسلام الواجبة.

أذكار السحور والفطر الثابتة

حثّ النبي ﷺ على السحور وأخبر أن فيه بركة، فقال: «تسحروا فإن في السحور بركة»، رواه البخاري (1923) ومسلم (1095). ووقت السحر من أفضل أوقات الاستغفار، وقد أثنى الله على عباده المستغفرين بالأسحار، فاجعل لنفسك دقائق قبل الفجر تستغفر فيها وتدعو.

كما حثّ على تعجيل الفطر عند تحقق غروب الشمس، فقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، رواه البخاري (1957) ومسلم (1098). أما الذكر الثابت عند الفطر فهو ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال:

ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

رواه أبو داود (2357)، وحسّنه الألباني

وفي هذا الذكر شكر لله على نعمة الري بعد العطش، ورجاء لثبوت الأجر الذي هو المقصود الأعظم من الصيام. ويُستحب للصائم أن يكثر من الدعاء في يومه كله، فهو في عبادة متصلة، مع البعد عن الأدعية والأحاديث التي لم تثبت.

العشر الأواخر وليلة القدر

العشر الأواخر هي تاج الشهر وخلاصته، وكان النبي ﷺ يخصّها بمزيد من الاجتهاد لا يكون في غيرها:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله».

رواه البخاري (2024) ومسلم (1174).

وكان ﷺ يعتكف فيها، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله»، رواه البخاري (2026) ومسلم (1172). والاعتكاف لزوم المسجد للتفرغ للعبادة، ومن لم يتيسر له ذلك فلا يفوتنّه أن يجعل لياليه عامرة بالصلاة والقرآن والذكر.

وفي هذه العشر ليلة القدر، وقد أرشد النبي ﷺ إلى تحرّيها فقال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، رواه البخاري (2017). وقال: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، رواه البخاري (1901) ومسلم (760). وإخفاؤها رحمة من الله ليجتهد العبد في الليالي كلها.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

رواه الترمذي (3513)، وصححه الألباني.

اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي

يُكثر منه في ليالي العشر الأواخر

والعفو أبلغ من المغفرة عند كثير من أهل العلم؛ فالمغفرة ستر الذنب، والعفو محوه وإسقاط المؤاخذة به. فمن سأل الله العفو فقد سأله أن يمحو أثر ذنوبه كأنها لم تكن.

خطة يومية عملية لرمضان

الاجتهاد في رمضان يحتاج إلى تنظيم، لا إلى حماس عابر يفتر بعد أيام. هذه خطة مقترحة يمكنك تكييفها بحسب عملك وظروفك، وقد فصّلناها في دليل «الخطة اليومية لرمضان» على الموقع:

  1. السحر: صلِّ ما تيسّر من الليل، ثم تسحّر ولو بشيء يسير، واجعل الدقائق التي قبل الفجر للاستغفار والدعاء.
  2. بعد الفجر: أذكار الصباح، ثم ورد من القرآن؛ فمن أراد الختم في الشهر قرأ جزءاً كل يوم، ويمكن تقسيمه على الصلوات الخمس بقراءة نحو أربع صفحات بعد كل صلاة.
  3. أثناء النهار: حفظ اللسان من الغيبة والجدال، وذكر الله في الطريق والعمل بالتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار.
  4. بعد العصر: أذكار المساء، ثم الدعاء قبيل المغرب لنفسك وأهلك والمسلمين.
  5. عند الفطر: تعجيل الفطر وقول الذكر الثابت، والمشاركة في تفطير صائم ولو بالقليل.
  6. الليل: صلاة التراويح أو القيام، مع ورد من التدبر لما قرأت في النهار.
  7. الصدقة: خصّص مبلغاً يومياً ولو يسيراً؛ فالقليل الدائم أحب إلى الله من الكثير المنقطع.
  8. العشر الأواخر: ضاعف الاجتهاد، وأيقظ أهلك، وأكثر من دعاء «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

ويمكنك الاستعانة بعدّاد تسبيح على موقع تسبيح لتحديد هدف يومي من الاستغفار أو الدعاء والمحافظة عليه، والاستفادة من سلاسل الأذكار الجاهزة للصباح والمساء، ومن المصحف الذي يحفظ موضع قراءتك لتتابع وردك اليومي بسهولة.

تنبيهات على أحاديث لا تصح

تنتشر في رمضان بعض النصوص المنسوبة إلى النبي ﷺ ولم تثبت عند أهل الحديث، منها الحديث الذي يقسّم الشهر إلى ثلث للرحمة وثلث للمغفرة وثلث للعتق من النار، فهو ضعيف. وفي الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها غنى وكفاية؛ فالمغفرة والعتق مرجوّان في الشهر كله لمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً.

ومن الأخطاء الشائعة كذلك السهر الطويل في غير طاعة ثم النوم عن صلاة الفجر، والإسراف في الطعام عند الفطر حتى يثقل البدن عن القيام، وجعل الشهر موسماً للمسلسلات والأسواق. والعاقل يعلم أن أيام رمضان معدودات، وأنها تمضي سريعاً، فيغتنمها قبل فواتها.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب الصوم وكتاب صلاة التراويح وكتاب فضل ليلة القدر.
  3. صحيح مسلم، كتاب الصيام.
  4. سنن أبي داود، كتاب الصوم.
  5. سنن الترمذي، كتاب الصوم وكتاب الدعوات.
  6. صحيح الجامع الصغير للألباني.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.