فضل الذكر وثمراته: معناه وأنواعه وكيف تجعله عادة يومية

دليل شامل عن ذكر الله: معناه وأنواعه، وفضله في القرآن والسنة الصحيحة، وثمراته على القلب والحياة، وخطوات عملية للمداومة عليه وعقد التسبيح بالأنامل.

ذكر الله تعالى من أيسر العبادات وأعظمها أثراً؛ لا يحتاج إلى مال ولا إلى سفر ولا إلى وقت مخصوص، ويستطيعه المسلم قائماً وقاعداً وعلى جنبه، في بيته وطريقه وعمله. ومع ذلك جعله الله سبباً لذكره عبده، ولطمأنينة القلب، ولمغفرة الذنوب، ورفعة الدرجات، حتى قال النبي ﷺ إنه خير الأعمال وأزكاها عند الله.

في هذا المقال نتعرّف على معنى الذكر وأنواعه، ونستعرض ما ورد في فضله من آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، ثم نقف عند ثمراته في القلب والسلوك، ونختم بخطوات عملية تساعدك على أن يصبح الذكر عادة ثابتة في يومك لا تنقطع، مع بيان سنة عقد التسبيح بالأصابع.

ما معنى الذكر؟

الذكر في اللغة ضدّ النسيان، ويأتي بمعنى استحضار الشيء في القلب أو جريانه على اللسان. وفي الشرع يُراد به كل ما يتقرّب به العبد إلى ربه من ثناء عليه سبحانه، وتمجيد لأسمائه وصفاته، وتسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، ودعاء واستغفار، وتلاوة لكتابه، مع حضور القلب واستشعار عظمة المذكور جل جلاله.

وقد ذكر أهل العلم أن أكمل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان؛ فيجري اللفظ على اللسان ويعقل القلب معناه. ثم يليه ذكر القلب وحده بالتفكر في آيات الله ونعمه، ثم ذكر اللسان مع شيء من الغفلة، وهو مع ذلك خير وأجر، لأن من اعتاد لسانه الذكر أوشك أن يحضر قلبه معه.

أنواع الذكر

الذكر باب واسع، ويمكن تقسيمه تقسيماً تقريبياً يعين على تنويع العبادة والمحافظة عليها:

  • ذكر الثناء والتمجيد: مثل «سبحان الله» و«الحمد لله» و«لا إله إلا الله» و«الله أكبر»، وهي الباقيات الصالحات.
  • الأذكار المقيدة بوقت أو حال: كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، والأذكار بعد الصلوات، وأذكار دخول المنزل والخروج منه، والطعام والسفر.
  • الأذكار المطلقة: التي يقولها المسلم في أي وقت دون تقييد، كالإكثار من التسبيح والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ.
  • الدعاء: فهو ذكر لله وتعظيم له، وفيه إظهار الافتقار إليه سبحانه.
  • تلاوة القرآن الكريم: وهي أفضل الذكر على الإطلاق عند كثير من أهل العلم، لأنه كلام الله.
  • ذكر القلب: بالتفكر في خلق الله ونعمه، ومراقبته عند الأمر والنهي، فيقف العبد عند حدوده.

فضل الذكر في القرآن الكريم

تكرّر الأمر بالذكر في كتاب الله، وجاء موصوفاً بالكثرة في غير موضع، وفي ذلك دلالة على أن المطلوب ليس ذكراً عابراً، بل حالاً دائمة يعيشها المؤمن. ومن أعظم ما ورد فيه أن الله يذكر من يذكره:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

سورة البقرة: 152

وأخبر سبحانه أن طمأنينة القلوب لا تُنال إلا بذكره، فمهما طلب الإنسان السكينة في غيره لم يجدها كاملة:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

سورة الرعد: 28

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾

سورة الأحزاب: 41–42

وختم الله صفات أهل الإيمان في سورة الأحزاب بالذاكرين، ووعدهم بالمغفرة والأجر العظيم:

﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾

سورة الأحزاب: 35

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾

سورة العنكبوت: 45

وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: «ولذكر الله أكبر» أقوالاً، منها أن ذكر الله أكبر من كل شيء، ومنها أن ذكر الله لعبده أكبر من ذكر العبد لربه، ومنها أن ما في الصلاة من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وكلها معانٍ صحيحة متقاربة.

فضل الذكر في السنة الصحيحة

جاءت السنة النبوية بأحاديث كثيرة تبيّن منزلة الذكر، وتصوّر الفرق بين الذاكر والغافل تصويراً بليغاً:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت».

رواه البخاري (6407).

وعنه رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت».

رواه مسلم (779).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم…».

رواه البخاري (7405) ومسلم (2675).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «سبق المفرِّدون». قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات».

رواه مسلم (2676).

عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده».

رواه مسلم (2700).

عن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبّث به، قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله».

رواه الترمذي (3375) وابن ماجه (3793)، وصححه الألباني.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله تعالى».

رواه الترمذي (3377) وابن ماجه (3790)، وصححه الألباني.

ثمرات الذكر على القلب والحياة

ألّف الإمام ابن القيم رحمه الله كتابه «الوابل الصيب» وأطال فيه في بيان فوائد الذكر وثمراته، وعدّ منها شيئاً كثيراً. ومما تدل عليه النصوص السابقة وتشهد له التجربة:

  • ذكر الله لعبده ومعيّته الخاصة له، وهي أعظم الثمرات وأجلّها.
  • طمأنينة القلب وانشراح الصدر، وذهاب كثير من الهم والقلق الذي يملأ حياة الناس اليوم.
  • حياة القلب، فالذاكر حيّ والغافل كالميت كما في الحديث، والبيت الذي يُذكر الله فيه بيت حيّ.
  • حفظ اللسان من الغيبة والنميمة والكلام الباطل، لأن من شغل لسانه بالذكر قلّ فراغه للباطل.
  • تكفير السيئات وتكثير الحسنات، فإن كثيراً من الأذكار رُتّب عليها حطّ الخطايا ومضاعفة الأجر.
  • نزول السكينة والرحمة وحضور الملائكة في مجالس الذكر.
  • تقوية الصلة بالله في الرخاء، فيجد العبد ثمرتها في الشدة حين يلجأ إليه.

عقد التسبيح بالأنامل

من السنن التي يغفل عنها كثير من الناس عدّ التسبيح على الأصابع، وقد علّل النبي ﷺ ذلك بأن الأنامل تشهد لصاحبها يوم القيامة، فيكون له بذلك أجر الذكر وشهادة الجوارح:

عن يُسَيرة رضي الله عنها، وكانت من المهاجرات، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات».

رواه أبو داود (1501) والترمذي (3583)، وحسّنه الألباني.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح».

رواه أبو داود (1502)، وصححه الألباني.

ومعنى «مستنطقات» أن الله يجعلها تنطق يوم القيامة فتشهد بما عملت. فإذا أمكنك أن تعقد تسبيحك بأصابع يمينك فهو أكمل، ويمكن الاستعانة بعدّاد يضبط الأعداد الكبيرة الواردة في بعض الأذكار، كالمائة في اليوم، مع الحرص على هذه السنة متى تيسّرت.

كيف تجعل الذكر عادة يومية؟

الذكر الكثير لا يأتي دفعة واحدة، بل يُبنى بالتدرّج والثبات. وهذه خطوات عملية تعين على ذلك:

  1. ابدأ بالأذكار المقيدة: أذكار الصباح والمساء، والأذكار بعد كل صلاة، وأذكار النوم؛ فهي تربط الذكر بمواعيد ثابتة في يومك.
  2. اختر ذكراً مطلقاً واحداً تلتزم به يومياً بعدد محدد، كمائة «سبحان الله وبحمده» أو مائة استغفار، ثم زد تدريجياً.
  3. استثمر الأوقات الميتة: انتظار المواصلات، والمشي، وقيادة السيارة، وأوقات الانتظار في العمل.
  4. احرص على فهم معاني ما تقول؛ فالذكر مع حضور القلب أعظم أثراً وأدعى للثبات.
  5. استعن بالأدوات المعينة: يوفّر موقع تسبيح عدّاداً مجانياً على الويب مع أهداف يومية يحفظ تقدّمك في المتصفح، وسلاسل أذكار جاهزة تنتقل تلقائياً إلى الذكر التالي بعد إتمام العدد، وفي التطبيق تذكيرات تنبّهك في أوقاتك.
  6. اجعل لك مجلساً قصيراً ثابتاً، ولو خمس دقائق بعد الفجر أو قبل النوم، للذكر والدعاء.
  7. تذكّر أن قليلاً دائماً خير من كثير منقطع، فلا تُثقل على نفسك في البداية.

خلاصة

ذكر الله حياة القلوب، وسبب ذكر الله لعبده، ومفتاح الطمأنينة، وهو من خير الأعمال وأزكاها عند الله. ولا يحتاج المسلم ليبدأ إلا إلى نية صادقة وعادة صغيرة يحافظ عليها، ثم يزيد شيئاً فشيئاً حتى يكون لسانه رطباً بذكر الله كما أوصى النبي ﷺ. وتجد في المقالات المرتبطة تفصيلاً لفضل كل ذكر من الأذكار الكبرى على حدة.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب الدعوات وكتاب التوحيد.
  3. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.
  4. سنن أبي داود، كتاب الصلاة.
  5. سنن الترمذي، أبواب الدعوات.
  6. سنن ابن ماجه، كتاب الأدب.
  7. الوابل الصيب لابن القيم.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.

الباقيات الصالحات: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير

تعرّف على الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، معانيها وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وتسبيح ما بعد الصلاة، وكيف تداوم عليها.

6 دقائق قراءة

فضل «لا إله إلا الله»: معنى كلمة التوحيد وفضل التهليل

شرح كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»: معناها في النفي والإثبات وشروطها، وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وفضل التهليل مائة مرة وعشر مرات، مع نصائح عملية.

6 دقائق قراءة

«حسبنا الله ونعم الوكيل»: معناها وفضلها ومتى تقال

شرح «حسبنا الله ونعم الوكيل»: معناها، وقصتها مع إبراهيم عليه السلام والنبي ﷺ، وفضل التوكل في القرآن والسنة، ومتى تقال، والفرق بين التوكل الصحيح وترك الأسباب.

5 دقائق قراءة

فضل الصلاة على النبي ﷺ وصيغها الصحيحة

تعرّف على معنى الصلاة على النبي ﷺ وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، والصيغة الإبراهيمية الثابتة، ومواطن الإكثار منها كيوم الجمعة وبعد الأذان، مع نصائح عملية للمداومة.

6 دقائق قراءة