فضل الصلاة على النبي ﷺ وصيغها الصحيحة

تعرّف على معنى الصلاة على النبي ﷺ وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، والصيغة الإبراهيمية الثابتة، ومواطن الإكثار منها كيوم الجمعة وبعد الأذان، مع نصائح عملية للمداومة.

الصلاة على النبي ﷺ من أيسر العبادات وأعظمها أثراً؛ كلمات قليلة يقولها المسلم في أي وقت وعلى أي حال، فيرجع إليه من الله أضعافها رحمةً وثناءً ومغفرة. وهي في الوقت نفسه وفاء لبعض حق رسول الله ﷺ على أمته، فهو الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لها حتى تركها على المحجة البيضاء.

في هذا المقال نقف مع آية الأمر بالصلاة عليه، ونشرح معنى صلاة الله وصلاة الملائكة وصلاة المؤمنين، ثم نعرض ما ثبت في السنة الصحيحة من فضائلها، والصيغة التي علّمها النبي ﷺ أصحابه، والمواطن التي يتأكد فيها الإكثار منها، مع تنبيهات ونصائح تعين على جعلها وِرداً يومياً ثابتاً.

الأمر الإلهي بالصلاة على النبي ﷺ

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

سورة الأحزاب: 56

افتتح الله هذه الآية بالإخبار عن نفسه سبحانه وعن ملائكته أنهم يصلّون على النبي ﷺ، ثم أمر المؤمنين بأن يصلّوا عليه ويسلّموا تسليماً. وفي هذا الترتيب تشريف عظيم؛ إذ جمع الله لنبيه ثناء أهل السماء وأهل الأرض، وجعل المؤمن حين يصلي عليه مشاركاً في أمر بدأ به رب العالمين وملائكته الكرام.

وقد ذكر البخاري في صحيحه معلّقاً عن أبي العالية أن صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، وأن صلاة الملائكة الدعاء. فصلاة الله على رسوله ﷺ ذكرُه بالثناء والتعظيم في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة دعاؤهم واستغفارهم، وصلاة المؤمنين سؤالهم ربهم أن يزيد نبيه ثناءً وتشريفاً ورفعة. وأما التسليم فهو الدعاء له بالسلامة من كل نقص وآفة، والتحية اللائقة بمقامه ﷺ.

فضل الصلاة على النبي ﷺ في السنة الصحيحة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً».

رواه مسلم (408).

تأمل هذه المعادلة: صلاة واحدة من عبد ضعيف، يقابلها عشر صلوات من الله تعالى، أي عشرة أضعاف من الثناء والرحمة. ولا يحتاج ذلك إلى وقت طويل ولا جهد شاق، بل إلى قلب حاضر ولسان رطب.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات».

رواه النسائي (1297)، وصححه الألباني.

فاجتمع في الصلاة الواحدة ثلاث ثمرات: صلوات من الله، ومحو للسيئات، ورفع في الدرجات. ومن أجمع ما ورد في فضلها حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، إذ أخبر النبيَّ ﷺ أنه يكثر الصلاة عليه، وسأله كم يجعل له من دعائه وورده، فما زال النبي ﷺ يقول له: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، حتى قال أُبيّ:

قال أُبيّ بن كعب رضي الله عنه: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال ﷺ: «إذاً تكفى همك، ويغفر لك ذنبك».

رواه الترمذي (2457)، وحسّنه الألباني.

والمراد بالصلاة هنا الدعاء الذي كان يخصصه لنفسه؛ أي إنه جعل وقت دعائه كله صلاةً على النبي ﷺ، فوُعد بكفاية همّ الدنيا والآخرة ومغفرة الذنب. وهذا من أعظم ما يحفز المهموم على الإكثار منها.

الصيغة الإبراهيمية التي علّمها النبي ﷺ

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علّمنا كيف نسلّم عليكم، قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».

رواه البخاري (3370) ومسلم (406).

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

الصيغة الإبراهيمية، وتُقال في التشهد الأخير وفي غيره

هذه أكمل الصيغ وأفضلها، لأن النبي ﷺ اختارها لأصحابه حين سألوه عن الكيفية، ولذلك يقولها المسلم في التشهد من صلاته. وختامها باسمي الله «الحميد» و«المجيد» مناسب للمقام؛ فالحميد هو المستحق لكل حمد، والمجيد ذو العظمة والكرم، والصلاة والبركة من آثار حمده ومجده سبحانه. ويكفي في الإكثار اليومي خارج الصلاة أن يقول المسلم: «اللهم صل وسلم على نبينا محمد» أو «صلى الله عليه وسلم».

ويلاحظ القارئ أن بعض الصيغ المتداولة في العدادات تتضمن لفظ «سيدنا»؛ والصيغة المعلَّمة في الحديث الصحيح هي الإبراهيمية بلفظها، وأما زيادة «سيدنا» في غير الصيغ الواردة فمسألة اختلف فيها أهل العلم.

مواطن يتأكد فيها الإكثار من الصلاة عليه

عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة… فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي».

رواه أبو داود (1047)، وصححه الألباني.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة…».

رواه مسلم (384).

  • يوم الجمعة وليلتها: لما ورد من الأمر بالإكثار فيه، وأن صلاتنا معروضة عليه ﷺ.
  • بعد إجابة المؤذن: يردد المسلم الأذان، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يسأل الله له الوسيلة.
  • في التشهد الأخير من كل صلاة بالصيغة الإبراهيمية.
  • عند ذكر اسمه ﷺ أو سماعه: فلا يمر ذكره دون صلاة عليه.
  • في المجالس: حتى لا يقوم القوم من مجلس خلا من ذكر الله والصلاة على نبيه.
  • في الدعاء: فمن أدب الدعاء الثناء على الله ثم الصلاة على النبي ﷺ قبل السؤال.

التحذير من ترك الصلاة عليه عند ذكره

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي».

رواه الترمذي (3546)، وصححه الألباني.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي».

رواه الترمذي (3545)، وحسّنه الألباني.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم».

رواه الترمذي (3380)، وصححه الألباني.

وصف النبي ﷺ من يُذكر عنده فلا يصلي عليه بالبخل، لأنه بخل بكلمات يسيرة لا تكلفه شيئاً، وهي سبب لعشر صلوات من الله عليه. والترة هي النقص والحسرة والتبعة، فالمجلس الذي يخلو من ذكر الله والصلاة على رسوله يكون على أهله حسرة يوم القيامة. ومن هنا يحسن بالمسلم أن يختم حديثه مع أصحابه، ولو كان في شؤون الدنيا، بذكر الله والصلاة على النبي ﷺ.

ثمرات الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ

  • امتثال أمر الله تعالى في كتابه، وموافقته سبحانه وملائكته في الصلاة على نبيه.
  • نيل عشر صلوات من الله بكل صلاة، مع حط عشر خطيئات ورفع عشر درجات.
  • كفاية الهم ومغفرة الذنب لمن جعل دعاءه كله صلاة عليه، كما في حديث أُبيّ رضي الله عنه.
  • تجديد محبته ﷺ في القلب واستحضار سيرته وسنته، وهذا يقود إلى اتباعه.
  • السلامة من وصف البخل ومن حسرة المجالس الخالية من ذكر الله.
  • أنها من أسباب قبول الدعاء حين تُقدَّم بين يديه مع الثناء على الله.

نصائح عملية للمداومة

  1. اجعل لنفسك عدداً يومياً تقدر عليه، ولا يشترط في السنة عدد معين، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
  2. اربطها بأوقات ثابتة: بعد الأذان، وفي الطريق إلى العمل، وأثناء الانتظار، وقبل النوم.
  3. خصّص يوم الجمعة بمزيد من الإكثار، فهو يوم أُمرنا فيه بذلك صراحة.
  4. استعمل عداد «تسبيح» على الويب لتحديد هدف يومي، فهو يحفظ تقدمك في المتصفح، ويمكنك تفعيل التذكيرات في تطبيق الجوال.
  5. احرص على حضور القلب: استحضر فضل النبي ﷺ عليك، وأنك تدعو له بالثناء والرفعة، لا مجرد ترديد ألفاظ.
  6. عوّد لسانك على قول «ﷺ» كلما ذكرته أو كتبت اسمه، وعلّم ذلك أهل بيتك وأطفالك.

والخلاصة أن الصلاة على النبي ﷺ عبادة جامعة بين محبة الرسول وطاعة الله ونفع العبد نفسه؛ فمن أكثر منها نال صلوات الله ورحمته وكُفي همه، ومن قصّر فيها فاته خير كثير بكلمات لا تأخذ من وقته إلا ثواني معدودة.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء وكتاب التفسير.
  3. صحيح مسلم، كتاب الصلاة.
  4. سنن أبي داود.
  5. سنن الترمذي.
  6. سنن النسائي.
  7. صحيح الجامع الصغير للألباني.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.

فضل «لا إله إلا الله»: معنى كلمة التوحيد وفضل التهليل

شرح كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»: معناها في النفي والإثبات وشروطها، وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وفضل التهليل مائة مرة وعشر مرات، مع نصائح عملية.

6 دقائق قراءة

«لا حول ولا قوة إلا بالله»: كنز من كنوز الجنة

شرح معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله» وفضلها كنزاً من كنوز الجنة، ومواطنها في السنة: عند الأذان والخروج من البيت والاستيقاظ ليلاً وبعد الصلاة، مع تنبيهات مهمة في استعمالها.

6 دقائق قراءة

فضل يوم الجمعة وسننه وأذكاره

فضل يوم الجمعة في القرآن والسنة الصحيحة: خير يوم طلعت عليه الشمس، وسنن الغسل والتبكير والطيب، وساعة الإجابة، والصلاة على النبي ﷺ وقراءة الكهف.

6 دقائق قراءة

فضل الاستغفار وسيد الاستغفار: صيغه وثمراته وشروط التوبة

كل ما تحتاجه عن الاستغفار: فضله في القرآن والسنة الصحيحة، ونص سيد الاستغفار وشرحه، وصيغ الاستغفار النبوية، وشروط التوبة، ونصائح عملية للإكثار منه يومياً.

6 دقائق قراءة