«لا حول ولا قوة إلا بالله»: كنز من كنوز الجنة

شرح معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله» وفضلها كنزاً من كنوز الجنة، ومواطنها في السنة: عند الأذان والخروج من البيت والاستيقاظ ليلاً وبعد الصلاة، مع تنبيهات مهمة في استعمالها.

كلمة قصيرة يقولها كثير من الناس كل يوم، لكنها تحمل معنى من أعمق معاني التوحيد: أن العبد لا يملك لنفسه تحولاً من حال إلى حال، ولا قدرة على فعل خير أو ترك شر، إلا بعون الله وتوفيقه. ولذلك سمّاها النبي ﷺ كنزاً من كنوز الجنة، أي ذخيرة نفيسة مخبوءة لقائلها.

نتناول في هذا المقال معنى الحوقلة، وصلتها بقوله تعالى «إياك نعبد وإياك نستعين»، وفضلها كما جاء في الصحيحين، والمواطن التي شرع النبي ﷺ قولها فيها، ثم ننبه على خطأ شائع في استعمالها، ونختم بنصائح للمداومة عليها.

نص الذكر ومعناه

لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

وتُسمّى «الحوقلة»

الحول في اللغة: التحول والانتقال والحركة، والقوة: القدرة والطاقة. فمعنى الكلمة أن العبد لا يتحول من معصية إلى طاعة، ولا من ضعف إلى قوة، ولا من حال إلى حال، ولا قدرة له على شيء من أمر دينه ودنياه، إلا بالله وحده. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه في تفسيرها نحو هذا المعنى: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله.

فهي كلمة استسلام وتفويض، يتبرأ فيها العبد من حوله وقوته، ويعترف بفقره التام إلى ربه. وهذا لا يعني ترك العمل، بل يعني أن يعمل وهو يعلم أن التوفيق والإعانة من الله، فلا يغتر بقدرته ولا يعجب بعمله.

ويقولها كثير من الناس بزيادة «العلي العظيم»، والصيغة التي جاءت في حديث الكنز هي «لا حول ولا قوة إلا بالله».

صلتها بالقرآن الكريم

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

سورة الفاتحة: 5

يكرر المسلم هذه الآية في كل ركعة، والحوقلة ترجمة عملية لشطرها الثاني «وإياك نستعين»؛ فالعبد يعبد الله ولا يقدر على عبادته إلا بإعانته. ولذلك يقول أهل العلم إن الحوقلة كلمة استعانة، يقولها المسلم إذا همّ بأمر ثقيل أو عمل صعب.

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

سورة الكهف: 39

في قصة صاحب الجنتين من سورة الكهف، وعظه صاحبه المؤمن بأنه كان ينبغي له حين دخل بستانه ورأى النعمة أن ينسبها إلى مشيئة الله وقوته، لا إلى نفسه وجهده. فالكلمة علاج للغرور عند النعمة، كما أنها عون عند الشدة.

فضلها: كنز من كنوز الجنة

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله بن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل: لا حول ولا قوة إلا بالله».

رواه البخاري (6409) ومسلم (2704).

شبّهها النبي ﷺ بالكنز لأن الكنز مال نفيس مدّخر مخفي عن الأعين، وكذلك هذه الكلمة: أجرها مدخر لصاحبها في الجنة، وهي خفيفة لا يلتفت إليها كثير من الناس مع عظم قدرها. وفي ندائه ﷺ لأبي موسى باسمه، وعرضه الأمر بصيغة السؤال «ألا أدلك؟»، تشويق وتنبيه إلى أهمية ما سيقوله.

ويذكر أهل العلم أن سرّ هذه المنزلة أن الكلمة تتضمن كمال التفويض إلى الله، والبراءة من الاعتماد على النفس؛ وهذا هو لبّ العبودية. فمن قالها صادقاً فقد أقر بأن كل خير يناله إنما هو من فضل الله، فاستحق أن يُدّخر له عند ربه ما يليق بهذا الإقرار.

مواطن قولها في السنة الصحيحة

عند إجابة المؤذن: أخبر النبي ﷺ أن السامع يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا عند «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح» فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن من فعل ذلك من قلبه دخل الجنة، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رواه مسلم (385). والمناسبة ظاهرة: فالمؤذن يدعو إلى الصلاة والفلاح، والسامع يعترف بأنه لا يقدر على الإجابة إلا بعون الله.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قال -يعني إذا خرج من بيته-: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان».

رواه أبو داود (5095) والترمذي (3426)، وصححه الألباني.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته».

رواه البخاري (1154).

عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلّم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه…»، وقال: كان رسول الله ﷺ يهلّل بهن دبر كل صلاة.

رواه مسلم (594).

فالحوقلة حاضرة في يوم المسلم كله: عند الأذان، وعند الخروج من البيت، وبعد الصلوات، وفي جوف الليل إذا استيقظ. ومعنى «تعارّ من الليل»: استيقظ وتقلب على فراشه، وفي الحديث بشارة بإجابة الدعاء وقبول الصلاة لمن قال هذا الذكر.

تنبيه: كلمة استعانة لا كلمة يأس

شاع عند بعض الناس أن يقولوا «لا حول ولا قوة إلا بالله» عند سماع خبر المصيبة أو الموت، بنبرة التحسر والاسترجاع. والأَولى أن تُستعمل الحوقلة في موضعها: عند الإقدام على عمل شاق، أو مواجهة أمر يعجز عنه الإنسان، أو طلب الثبات على الطاعة. أما عند المصيبة فالسنة أن يقول المسلم ما أرشد إليه القرآن والنبي ﷺ:

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

سورة البقرة: 156

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها».

رواه مسلم (918).

وليس في قول الحوقلة عند الشدة حرج، فهي استعانة بالله على تحمّلها، لكن المقصود ألا تتحول إلى عبارة يأس وعجز، وأن يُحفظ للمصيبة ذكرها الوارد.

ثمرات المداومة عليها

  • كنز مدخر في الجنة بشهادة النبي ﷺ.
  • تحقيق التوحيد بالتبرؤ من الحول والقوة وتفويض الأمر لله.
  • علاج للعجب والغرور عند النجاح والنعمة، كما في قصة صاحب الجنتين.
  • قوة نفسية عند الإقدام على الأعمال الصعبة، لأن القلب يستند إلى قوة لا تُغلب.
  • الحماية والكفاية والهداية عند الخروج من البيت مع البسملة والتوكل.

نصائح عملية وخلاصة

  1. احفظ مواضعها الثابتة: إجابة المؤذن، والخروج من البيت، والأذكار بعد الصلاة، والاستيقاظ ليلاً.
  2. قلها عند بدء كل مهمة ثقيلة: مذاكرة، أو مشروع عمل، أو مواجهة موقف صعب.
  3. اجعل لها نصيباً من وِردك اليومي، ويمكنك استعمال عداد «تسبيح» على الويب لتحديد هدف ومتابعة تقدمك.
  4. استحضر معناها وأنت تقولها، فهي ليست كلمة عادة، بل إعلان افتقار إلى الله.

والخلاصة أن «لا حول ولا قوة إلا بالله» كلمة تجمع بين العبودية والاستعانة؛ يرددها المؤمن فيتذكر أن كل خطوة يخطوها إنما هي بتوفيق ربه، فيزداد تواضعاً عند النعمة، وقوة عند الشدة، ويدخر بها كنزاً من كنوز الجنة.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب الدعوات وكتاب التهجد.
  3. صحيح مسلم، كتاب الصلاة وكتاب المساجد وكتاب الذكر والدعاء.
  4. سنن أبي داود.
  5. سنن الترمذي.
  6. تفسير ابن كثير.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.

فضل الصلاة على النبي ﷺ وصيغها الصحيحة

تعرّف على معنى الصلاة على النبي ﷺ وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، والصيغة الإبراهيمية الثابتة، ومواطن الإكثار منها كيوم الجمعة وبعد الأذان، مع نصائح عملية للمداومة.

6 دقائق قراءة

فضل «لا إله إلا الله»: معنى كلمة التوحيد وفضل التهليل

شرح كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»: معناها في النفي والإثبات وشروطها، وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وفضل التهليل مائة مرة وعشر مرات، مع نصائح عملية.

6 دقائق قراءة

الباقيات الصالحات: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير

تعرّف على الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، معانيها وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وتسبيح ما بعد الصلاة، وكيف تداوم عليها.

6 دقائق قراءة

«حسبنا الله ونعم الوكيل»: معناها وفضلها ومتى تقال

شرح «حسبنا الله ونعم الوكيل»: معناها، وقصتها مع إبراهيم عليه السلام والنبي ﷺ، وفضل التوكل في القرآن والسنة، ومتى تقال، والفرق بين التوكل الصحيح وترك الأسباب.

5 دقائق قراءة