أذكار ما بعد الصلاة المكتوبة: ترتيبها وفضلها

ترتيب أذكار ما بعد الصلاة المكتوبة كما ثبتت في السنة: الاستغفار، و«اللهم أنت السلام»، والتهليل، والتسبيح بصيغه المتعددة، وآية الكرسي والمعوذات، مع فضل كل ذكر.

يفرغ المسلم من صلاته المكتوبة خمس مرات في اليوم، وقد جعل النبي ﷺ لهذه اللحظة أذكاراً خاصة تختم الصلاة وتجبر ما وقع فيها من نقص، وتصل العبد بربه بعد أن ناجاه. وهي أذكار قصيرة لا تستغرق إلا دقائق، لكن فضلها عظيم.

في هذا المقال نعرض هذه الأذكار بترتيب يقارب ما ثبت في السنة، مع ألفاظها الصحيحة ومعانيها وفضائلها، ونبين الصيغ المتعددة للتسبيح وأن المسلم يمكنه التنويع بينها، ثم نقترح طريقة عملية للمحافظة عليها.

الذكر بعد الصلاة في القرآن

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾

سورة النساء: 103

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾

سورة ق: 40

ذكر جماعة من المفسرين أن المراد بأدبار السجود التسبيح عقب الصلوات. والمعنى أن الصلاة لا تنتهي بالتسليم انتهاءً يقطع الصلة بالله، بل يتبعها ذكر يثبّت أثرها في القلب. وكما أن للصلاة مقدمات من أذان ووضوء وتكبير، فلها كذلك خاتمة من استغفار وتهليل وتسبيح، فيخرج المصلي منها وقد امتلأ قلبه بتعظيم ربه، وانطلق إلى شؤون دنياه وهو أقرب إلى الطاعة وأبعد عن الغفلة.

الاستغفار و«اللهم أنت السلام»

عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام».

رواه مسلم (591).

أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ

أول ما يقال بعد التسليم

وقد يتساءل المرء: لماذا يستغفر بعد عبادة عظيمة؟ والجواب أن العبد مهما اجتهد فلا بد أن يقع في صلاته تقصير أو شرود، فيستغفر اعترافاً بعجزه عن أداء حق ربه كما ينبغي. و«السلام» من أسماء الله، ومعناه السالم من كل نقص وعيب، ومنه تُطلب السلامة.

التهليل والثناء

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».

رواه البخاري (844) ومسلم (593).

والجَدّ هو الحظ والغنى، أي لا ينفع صاحب المال والجاه عندك ماله وجاهه، وإنما ينفعه العمل الصالح. وفي الذكر تسليم كامل بأن العطاء والمنع بيد الله وحده.

عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلّم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». وقال: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة.

رواه مسلم (594).

التسبيح والتحميد والتكبير وصيغه

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «من سبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».

رواه مسلم (597).

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «معقبات لا يخيب قائلهن -أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة».

رواه مسلم (596).

وأصل هذا الذكر قصة فقراء المهاجرين الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: «ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم»، يعنون أن الأغنياء يصلون ويصومون مثلهم ويزيدون عليهم بالصدقة، فعلّمهم النبي ﷺ هذا التسبيح عقب الصلوات ليدركوا به من سبقهم. رواه البخاري (843) ومسلم (595). وفي القصة بيان أن الذكر باب مفتوح للفقير والغني على السواء.

وقد وردت في السنة صيغ متعددة لهذا التسبيح، يحسن أن يعرفها المسلم ويأتي بهذه مرة وبتلك مرة:

  • ثلاث وثلاثون تسبيحة وتحميدة وتكبيرة، ثم تمام المائة بـ«لا إله إلا الله وحده لا شريك له…» كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
  • ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
  • عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة…»، وذكر منهما التسبيح عشراً والتحميد عشراً والتكبير عشراً دبر كل صلاة. رواه أبو داود (5065) والترمذي (3410)، وصححه الألباني. وهذه الصيغة مناسبة لمن استعجل.

ومن السنة عقد التسبيح بالأصابع، فقد ثبت عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه رأى النبي ﷺ يعقد التسبيح. رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني. ويمكن الاستعانة بعدّاد تسبيح عند الحاجة لضبط الأعداد.

آية الكرسي والمعوذات والدعاء

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».

رواه النسائي في السنن الكبرى، وصححه الألباني.

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة».

رواه أبو داود (1523) والترمذي (2903)، وصححه الألباني.

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك»، ثم قال: «أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

رواه أبو داود (1522) والنسائي (1303)، وصححه الألباني.

اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ

تأمل كيف قدّم النبي ﷺ الوصية بقوله «والله إني لأحبك»؛ فهي وصية محب، تجمع ثلاثة أمور هي قوام حياة المؤمن: الذكر، والشكر، وإحسان العبادة. والمعوذات هي سورة الإخلاص والفلق والناس على قول جمع من أهل العلم.

ترتيب مقترح ونصائح للمداومة

  1. الاستغفار ثلاثاً، ثم «اللهم أنت السلام ومنك السلام…».
  2. «لا إله إلا الله وحده لا شريك له… اللهم لا مانع لما أعطيت…»، ثم تهليلات ابن الزبير.
  3. التسبيح والتحميد والتكبير بإحدى الصيغ الثابتة.
  4. آية الكرسي، ثم الإخلاص والمعوذتان.
  5. «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وما شئت من الدعاء.

وهذا الترتيب تقريبي للتيسير، فلم يرد نص يلزم بترتيب بعينه بعد الاستغفار والذكر الأول، والأمر فيه واسع.

  • لا تقم من مصلاك مسرعاً؛ فهذه الدقائق القليلة من أثمن أوقات اليوم.
  • إن كنت مستعجلاً فلا تترك الذكر كله، بل خذ بالصيغة المختصرة عشراً عشراً.
  • تجد أذكار كل صلاة مرتبة في سلاسل جاهزة على موقع تسبيح: بعد الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، تنتقل تلقائياً بعد اكتمال العدد.
  • علّم أولادك هذه الأذكار مبكراً، فيكبروا وهم يرون الصلاة لا تنتهي بالتسليم.

والخلاصة أن أذكار ما بعد الصلاة زاد يومي يتكرر خمس مرات، فيه مغفرة للخطايا ورفعة للدرجات وحفظ من الشرور، وهو في متناول كل مسلم. فاغتنم هذه الدقائق، واجعلها جزءاً لا ينفصل عن صلاتك.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب الأذان.
  3. صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
  4. سنن أبي داود، كتاب الصلاة وكتاب الأدب.
  5. سنن الترمذي، كتاب الدعوات وكتاب فضائل القرآن.
  6. سنن النسائي والسنن الكبرى للنسائي.
  7. الأذكار للنووي.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.

أذكار النوم وآدابه من السنة

أذكار النوم الثابتة في السنة: آية الكرسي، والمعوذات، وخواتيم البقرة، والتسبيح والتحميد والتكبير، ودعاء البراء، مع آداب النوم وما يفعله المسلم عند الرؤيا والحلم.

5 دقائق قراءة

الباقيات الصالحات: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير

تعرّف على الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، معانيها وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وتسبيح ما بعد الصلاة، وكيف تداوم عليها.

6 دقائق قراءة

أذكار المواقف اليومية: الخروج والدخول والطعام والمسجد والسفر

أذكار المسلم في مواقفه اليومية من السنة الصحيحة: الخروج من البيت ودخوله، والطعام، والمسجد، والخلاء، والوضوء، والسفر والنزول، والعطاس، والمصيبة، مع التخريج والمعنى.

6 دقائق قراءة

أذكار الصباح والمساء: فضلها وأهم ما صحّ فيها

دليل شامل لأذكار الصباح والمساء: الأمر بها في القرآن، وأهم ما صحّ فيها من السنة مع التخريج، ووقتها عند أهل العلم، وخطة عملية مختصرة وأخرى كاملة للمداومة عليها.

7 دقائق قراءة