أذكار الصباح والمساء: فضلها وأهم ما صحّ فيها
دليل شامل لأذكار الصباح والمساء: الأمر بها في القرآن، وأهم ما صحّ فيها من السنة مع التخريج، ووقتها عند أهل العلم، وخطة عملية مختصرة وأخرى كاملة للمداومة عليها.
7 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
أذكار الصباح والمساء حصن يومي يبني به المسلم صلته بربه في طرفي النهار، فيفتتح يومه بالتوحيد والاستعاذة والشكر، ويختمه بمثل ذلك. وقد كان النبي ﷺ يحافظ عليها ويعلّمها أصحابه وأهل بيته، حتى صارت من أظهر معالم الحياة اليومية للمسلم.
في هذا المقال نجمع أهم ما صحّ في هذه الأذكار من القرآن والسنة، مع بيان معانيها وفضائلها وتخريجها، ثم نقترح خطة عملية مختصرة لمن ضاق وقته، وأخرى كاملة لمن أراد الاستزادة، حتى تصبح هذه الأذكار عادة ثابتة لا تنقطع.
الأمر بذكر الله في الصباح والمساء في القرآن
تكرر في كتاب الله الأمر بالتسبيح والذكر في طرفي النهار، وهذا التكرار يدل على مزية هذين الوقتين؛ فالصباح بداية السعي والانتشار، والمساء وقت السكون والرجوع، والعبد في الحالين محتاج إلى عون ربه وحفظه.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾
والغدو والبكرة أول النهار، والآصال والأصيل آخره بعد العصر إلى الغروب. ونبّهت آية الأعراف على أدب هذا الذكر: أن يكون بتضرع وخشية، وفي النفس دون رفع مبالغ فيه، وأن يكون حارساً من الغفلة.
أذكار الحفظ والوقاية
بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
ثلاث مرات صباحاً ومساءً
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء».
رواه أبو داود (5088) والترمذي (3388)، وصححه الألباني.
ومعنى الذكر: أستعين وأتحصن باسم الله الذي لا يقدر شيء في الأرض ولا في السماء أن يضر مع ذكر اسمه، وهو السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم. وهذا اعتماد للقلب على الله قبل أن يكون كلمات على اللسان.
عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال له: «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء».
رواه أبو داود (5082) والترمذي (3575)، وحسّنه الألباني.
أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ
في المساء خاصة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! قال: «أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك».
رواه مسلم (2709).
وكلمات الله التامات هي كلماته الكاملة التي لا يدخلها نقص ولا عيب. وأما آية الكرسي فقد ثبت في صحيح البخاري (2311) أن من قرأها إذا أوى إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ حتى يصبح، ولذلك يحرص كثير من المسلمين على ضمها إلى أذكار المساء وأذكار النوم.
أذكار التوحيد والاستغفار
أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ
وفي الصباح: أصبحنا وأصبح الملك لله… خير ما في هذا اليوم — رواه مسلم (2723)
هذا الذكر رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من فعل النبي ﷺ، وفيه إقرار بأن الملك كله لله في كل صباح ومساء، ثم سؤال خير الوقت والاستعاذة من شره، ومن الكسل الذي يقعد عن الطاعة، ومن سوء الكبر وما يصحبه من ضعف وخرف.
اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ
وفي المساء: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا… وإليك المصير — رواه أبو داود (5068) والترمذي (3391)، وصححه الألباني
عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال: «ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة».
رواه البخاري (6306).
ومعنى «أبوء»: أعترف وأقرّ. فهو دعاء يجمع التوحيد، والاعتراف بالعبودية، وتجديد العهد، والإقرار بالنعمة والذنب معاً، ولذلك استحق أن يكون سيد صيغ الاستغفار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه».
رواه مسلم (2692).
أدعية العافية والاستغاثة
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي».
رواه أبو داود (5074) وابن ماجه (3871)، وصححه الألباني.
العافية كلمة جامعة للسلامة في الدين والبدن والأهل والمال، وستر العورات يشمل العيوب والزلات، وتأمين الروعات طلب الأمن من المخاوف. ثم يسأل العبد ربه أن يحفظه من الجهات الست، وهذا من أوسع أدعية الحفظ.
يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ
أوصى به النبي ﷺ ابنته فاطمة رضي الله عنها صباحاً ومساءً — رواه النسائي في السنن الكبرى والحاكم، وحسّنه الألباني
وفي هذا الدعاء توسل باسمين عظيمين: الحي الذي له الحياة الكاملة، والقيوم القائم بنفسه المقيم لغيره، ثم تبرؤ من الاعتماد على النفس ولو لحظة، وهو لبّ التوكل.
متى تُقال أذكار الصباح والمساء؟
تُقال أذكار الصباح بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن أهل العلم من يمد وقتها إلى الضحى. وتُقال أذكار المساء من بعد العصر إلى غروب الشمس، ومن أهل العلم من يوسع وقت أذكار المساء إلى ما بعد المغرب. والأمر في ذلك واسع، والمهم ألا يفوّتها المسلم، فإن نسيها أو شُغل عنها أتى بها متى تذكر رجاء الأجر.
وما ورد فيه عدد كالثلاث أو المائة يحسن الالتزام به، وما لم يرد فيه عدد يقال مرة واحدة. ولا يشترط لها طهارة ولا استقبال قبلة، وإن كان ذلك أكمل، ويجوز أن تُقال جالساً أو ماشياً أو في الطريق إلى العمل.
خطة عملية: مختصرة وكاملة
كثير من الناس يبدأ بحماس ثم ينقطع لأنه حمّل نفسه ما لا يطيق. لذلك نقترح مستويين، تبدأ بالمختصر حتى يثبت، ثم تنتقل إلى الكامل:
- الخطة المختصرة (نحو خمس دقائق): الإخلاص والمعوذتان ثلاثاً، و«بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء» ثلاثاً، وسيد الاستغفار مرة، و«أصبحنا وأصبح الملك لله» أو «أمسينا»، و«أعوذ بكلمات الله التامات» في المساء. وتجدها مرتبة في سلسلة أذكار الصباح المختصرة وسلسلة أذكار المساء المختصرة.
- الخطة الكاملة (نحو خمس عشرة دقيقة): تضيف إلى ما سبق آية الكرسي، و«اللهم بك أصبحنا»، ودعاء العافية، و«يا حي يا قيوم»، و«سبحان الله وبحمده» مائة مرة. وهي مجموعة في سلسلتي أذكار الصباح والمساء الكاملتين.
- اربط الأذكار بعادة ثابتة: بعد صلاة الفجر في المسجد أو في المصلى، وبعد صلاة العصر قبل الانشغال بالهاتف.
- استعمل عدّاد تسبيح في صفحة /home لتتبع الأعداد الكبيرة كالمائة، فالسلاسل الجاهزة تنتقل تلقائياً إلى الذكر التالي بعد اكتمال عدده.
- اقرأ بتدبر لا بعجلة؛ فمعرفة معنى الذكر تجعله دعاءً حياً لا كلمات تُردد.
تنبيهات مهمة
- احرص على الألفاظ الثابتة في السنة، وتجنب الأذكار المنتشرة على الهواتف بلا مصدر أو بفضائل مبالغ فيها.
- لا تجعل الأذكار مجرد عدد يُنجز؛ فالمقصود حضور القلب واليقين، وقد قيّد النبي ﷺ فضل سيد الاستغفار بقوله: «موقناً بها».
- إن فاتك بعض الأذكار فلا تترك الباقي، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
- علّم أهلك وأولادك الأذكار القصيرة، واجعلها جزءاً من صباح الأسرة ومسائها.
والخلاصة أن أذكار الصباح والمساء زاد يومي قليل الكلفة عظيم الأثر: فيها حفظ من الشرور، وتجديد للتوحيد، ومغفرة للذنوب، وطمأنينة للقلب. فاجعل لها موعداً ثابتاً، وابدأ بما تستطيع، وزد شيئاً فشيئاً.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب الدعوات.
- صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.
- سنن أبي داود، كتاب الأدب.
- سنن الترمذي، كتاب الدعوات.
- سنن ابن ماجه، كتاب الدعاء.
- الأذكار للنووي.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.