فضل سورة الإخلاص والمعوذتين ومواضع قراءتها

فضل سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، وفضل المعوذتين، ومواضع قراءتها في الصباح والمساء وعند النوم ودبر الصلوات، مع شرح معاني الفلق والنفاثات والوسواس الخناس.

ثلاث سور قصيرة في آخر المصحف، يحفظها المسلم منذ طفولته، ويرددها في صلاته وأذكاره كل يوم: سورة الإخلاص، وسورة الفلق، وسورة الناس. الأولى خالصة في توحيد الله ووصفه، والأخريان استعاذة شاملة بالله من الشرور الظاهرة والخفية، ولذلك سُمّيتا المعوذتين.

في هذا المقال نعرض نص السور الثلاث، ونجمع ما صح في فضلها، ونوضح معنى كون الإخلاص تعدل ثلث القرآن، ثم نبيّن مواضع قراءتها في اليوم والليلة، ونشرح أبرز معاني المعوذتين.

نصوص السور الثلاث

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾

سورة الإخلاص: 1–4

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

سورة الفلق: 1–5

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ ۝ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۝ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۝ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾

سورة الناس: 1–6

في سورة الإخلاص إثبات أحدية الله، وأنه الصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، ونفي الولد والوالد والمثيل عنه سبحانه. ولذلك سُمّيت الإخلاص، لأنها أخلصت في وصف الله، ولأنها تُخلّص قارئها المؤمن بها من الشرك.

فضل سورة الإخلاص

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردّدها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالّها، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن».

رواه البخاري (5013).

عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟» قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن».

رواه مسلم (811).

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه».

رواه البخاري (7375) ومسلم (813).

فمحبة هذه السورة لما فيها من صفات الله سبب لمحبة الله للعبد، وهذا من أعظم ما يُرغّب في تدبرها والإكثار من تلاوتها.

وفي حديث أبي سعيد فائدة لطيفة: أن الصحابي الذي كان يردد السورة ظنه صاحبه مقلّاً من القراءة، فبيّن النبي ﷺ أن العبرة بعظمة المقروء ومعانيه، لا بكثرة الآيات وحدها. فالسورة على قصرها جمعت أصول معرفة الله: أحديته، وصمديته، وتنزيهه عن الأصل والفرع والنظير.

و﴿الصَّمَدُ﴾ من أعظم أسماء الله معنىً، وقد فسّره أهل العلم بالسيد الكامل في سؤدده الذي تقصده الخلائق في حوائجها، وفسّره بعضهم بالذي لا جوف له، والمعنيان يدلان على غناه التام وافتقار كل شيء إليه. ونفي الولادة عنه وكونه مولوداً ردّ على كل من نسب إليه ولداً أو جعل له شريكاً.

ما معنى أنها تعدل ثلث القرآن؟

من الأقوال المشهورة عند أهل العلم في معنى ذلك أن معاني القرآن ترجع إلى ثلاثة أقسام: أخبار وقصص، وأحكام وتشريعات، وتوحيد ومعرفة بأسماء الله وصفاته. وسورة الإخلاص متمحضة للقسم الثالث، فكانت معادلة لثلث القرآن من هذا الوجه.

ولا يعني ذلك أن من قرأها ثلاث مرات استغنى عن قراءة القرآن كله، فالمعادلة في الأجر والفضل لا تقوم مقام الأجزاء في كل شيء؛ ولهذا لا تُجزئ عن الفاتحة في الصلاة. فليحرص المسلم على تلاوة كتاب الله كاملاً وتدبره، ولتكن الإخلاص زاداً إضافياً لا بديلاً.

فضل المعوذتين

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾».

رواه مسلم (814).

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كانت تقرأ عليه وتمسح بيده رجاء بركتها.

رواه البخاري (5016) ومسلم (2192).

والمراد أنه لا يُتعوّذ بمثلهن في بابهن، فهما أجمع ما يُستعاذ به. والنفث نفخ لطيف معه شيء يسير من الريق، وفي الحديث مشروعية رقية المرء نفسه بالمعوذات عند المرض، مع الأخذ بالأسباب المباحة من العلاج.

مواضع قراءتها في اليوم والليلة

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

رواه البخاري (5017).

عن عبد الله بن خُبيب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء».

رواه أبو داود (5082) والترمذي (3575)، وحسّنه الألباني.

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة».

رواه أبو داود (1523) والترمذي (2903)، وصححه الألباني.

  • في الصباح والمساء: ثلاث مرات لكل سورة، وهي ضمن سلسلتي أذكار الصباح والمساء الكاملتين في تسبيح.
  • عند النوم: جمع الكفين والنفث فيهما وقراءة السور الثلاث ثم المسح على الجسد، ثلاث مرات.
  • دبر كل صلاة مكتوبة: بعد الأذكار المعروفة عقب السلام.
  • عند المرض والشكوى: يقرؤها المرء على نفسه وينفث.

معاني المعوذتين

  • ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح عند أكثر المفسرين، فالعبد يستعيذ برب الصبح الذي يفلق الظلمة بالنور، وفي ذلك رجاء بأن يكشف الله عنه كل ظلمة وشر.
  • ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾: استعاذة عامة من شر كل مخلوق فيه شر.
  • ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: الليل إذا أقبل وأظلم، ففيه تنتشر كثير من الشرور والمؤذيات.
  • ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾: السواحر اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها، فالاستعاذة منهن استعاذة من السحر وأهله.
  • ﴿حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾: الحاسد يتمنى زوال النعمة عن غيره، وشرّه يظهر إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه.
  • ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾: الشيطان يوسوس في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس أي تأخر وانقبض، وقد يكون الموسوس من الجن ومن الناس.

ولاحظ أن سورة الفلق استعاذة من شرور خارجية تصيب الإنسان، وسورة الناس استعاذة من شر داخلي يفسد القلب والدين، ولذلك تكررت فيها صفات الله الثلاث: الرب والملك والإله.

وقد ذكر ابن القيم وغيره من أهل العلم أن حاجة العبد إلى هاتين السورتين أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب واللباس، لأن الشرور التي يُستعاذ منها فيهما تحيط به في كل حين. والاستعاذة الحقيقية ليست كلمات تُقال بغفلة، بل التجاء القلب إلى الله وتوكله عليه، مع اليقين بأنه لا يضر شيء إلا بإذنه.

خلاصة ونصيحة عملية

سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، ومحبتها سبب لمحبة الله، والمعوذتان لم يُرَ مثلهن في الاستعاذة. واجعل لهذه السور الثلاث أربعة مواعيد ثابتة: الصباح، والمساء، ودبر الصلوات، وعند النوم. وتساعدك سلاسل الأذكار الجاهزة في تسبيح على إتمام العدد دون انشغال بالحساب، فتتفرغ لحضور القلب ومعاني ما تقرأ.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن وكتاب التوحيد.
  3. صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وكتاب السلام.
  4. سنن أبي داود.
  5. سنن الترمذي.
  6. تفسير ابن كثير، تفسير المعوذتين.
  7. بدائع الفوائد لابن القيم.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.