فضل خواتيم سورة البقرة وفضل سورة البقرة

فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة ومعنى «كفتاه»، وقصة نزولهما وجواب الله «قد فعلت»، مع شرح الدعوات الواردة فيهما وفضل سورة البقرة كاملة من السنة الصحيحة.

تختم سورة البقرة، أطول سور القرآن، بآيتين جليلتين تلخصان الإيمان كله ثم تفيضان بدعاء متضرع خاشع. هاتان الآيتان وصفهما الملَك النازل من السماء بأنهما نور لم يؤته نبي قبل نبينا ﷺ، وأخبر النبي ﷺ أن من قرأهما في ليلة كفتاه.

في هذا المقال نعرض نص الآيتين، ونروي قصة نزولهما كما في صحيح مسلم، ونجمع ما صح في فضلهما وفضل سورة البقرة كاملة، ثم نشرح الدعوات التي اشتملتا عليها، ونختم بنصائح عملية لجعلهما ورداً ليلياً ثابتاً.

نص الآيتين

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ۝ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

سورة البقرة: 285–286

الآية الأولى شهادة من الله للرسول ﷺ والمؤمنين بكمال الإيمان بأصوله: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بينهم، مع إعلان الطاعة وطلب المغفرة. والآية الثانية قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، وهي أن التكليف بحسب الوسع، ثم دعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة.

وفي قول المؤمنين ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ مدح لهم بسرعة الاستجابة لأمر الله دون تردد ولا جدال، وهو خلق المؤمن الصادق مع النصوص الشرعية. وفي إتباعه بقولهم ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أدب رفيع، فمهما بلغ العبد في الطاعة فهو مقصّر محتاج إلى مغفرة ربه، ثم ختموا بالإقرار بالمصير إليه، فالعمل كله يُرجى ثوابه يوم اللقاء.

وقوله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ تقرير للعدل الإلهي: فلكل نفس ثواب ما عملت من خير، وعليها وزر ما اقترفت من شر، ولا تزر وازرة وزر أخرى. وقد لاحظ بعض المفسرين أن التعبير في الخير جاء بلفظ «كسبت» وفي الشر بلفظ «اكتسبت» الدال على المعالجة والتكلف، إشارة إلى أن الخير موافق للفطرة، والشر يحتاج من صاحبه إلى مجاهدة لها.

قصة نزولهما وجواب الله «قد فعلت»

﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾

سورة البقرة: 284

روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية لما نزلت دخل قلوب الصحابة منها شيء لم يدخلها من شيء قبله، إذ ظنوا أنهم سيحاسَبون على كل خاطر يمر بنفوسهم، فأمرهم النبي ﷺ أن يقولوا: سمعنا وأطعنا وسلّمنا، فألقى الله الإيمان في قلوبهم، وأنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وكلما دعوا بدعوة من دعوات الآية قال الله تعالى: «قد فعلت».

في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في نزول خواتيم البقرة: لما قرأ الصحابة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: «قد فعلت»، وكذلك عقب كل دعوة بعدها.

رواه مسلم (126).

وفي القصة درس بليغ: أن التسليم لأمر الله والانقياد له سبب للتخفيف والرحمة، وأن الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون، وأن الخواطر التي تهجم على النفس دون اختيار لا يؤاخذ بها العبد ما لم يعمل بها أو يتكلم.

فضل خواتيم البقرة في السنة الصحيحة

عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».

رواه البخاري (5009) ومسلم (807).

ذكر شرّاح الحديث كالنووي وابن حجر أقوالاً في معنى «كفتاه»، أشهرها قولان: أنهما كفتاه عن قيام الليل، أي أجزأتا عنه في حصول أصل الأجر، والثاني أنهما كفتاه من الشر والآفات والمكروه في تلك الليلة. ولا تعارض بينهما، فاللفظ يحتمل المعنيين، وفضل الله واسع.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ملكاً نزل من السماء فسلّم على النبي ﷺ وقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته».

رواه مسلم (806).

شرح الدعوات الواردة في الآية الأخيرة

يمكن جمع ما في الآية الأخيرة من سؤال في ست دعوات، كل واحدة منها حاجة يحتاجها العبد في دينه ودنياه:

  1. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: سؤال رفع المؤاخذة عن النسيان والخطأ، وقد استجاب الله فلا إثم على الناسي والمخطئ.
  2. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾: الإصر هو العبء والتكليف الشاق، وقد خفف الله عن هذه الأمة كثيراً مما كان على الأمم قبلها.
  3. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: من التكاليف والمصائب والبلاء الذي لا يُحتمل.
  4. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: امحُ ذنوبنا وتجاوز عنها فلا تبقى لها تبعة.
  5. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾: المغفرة ستر الذنب ووقاية أثره، والرحمة إدخال الخير والتوفيق في المستقبل.
  6. ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: توسل بولاية الله لعباده المؤمنين، وسؤال النصر والتمكين.

فضل سورة البقرة كاملة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة».

رواه مسلم (780).

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان... تحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».

رواه مسلم (804).

سُمّيت البقرة وآل عمران «الزهراوين» لنورهما وهدايتهما. و«أخذها» أي المداومة على تلاوتها والعمل بها، و«البطلة» فُسّرت بالسحرة، أي لا يقدرون على مقاومة بركتها. وقوله «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» أي لا تخلوها من الصلاة والقراءة فتصير كالمقابر التي لا يُتعبد فيها.

وتشبيه السورتين بالغمامتين يوم القيامة فيه إشارة إلى أنهما تظلان صاحبهما وتدفعان عنه، و«تحاجّان عن أصحابهما» أي تجادلان عنه وتشفعان له. والمقصود بأصحابهما من داوم على قراءتهما وعمل بما فيهما، لا من قرأهما مرة ثم هجرهما. وهذا يبيّن أن صحبة القرآن علاقة دائمة، يجني ثمرتها من لازمها في الدنيا.

نصائح عملية

  1. احفظ الآيتين واجعلهما جزءاً ثابتاً من وردك قبل النوم، وهما ضمن سلسلة أذكار النوم في تسبيح.
  2. الليل يبدأ بغروب الشمس، فمن قرأهما بعد المغرب أو العشاء أو قبل نومه فقد قرأهما في ليلته.
  3. اقرأ الدعوات بقلب السائل لا بلسان التالي فقط، واستحضر أن الله قال عند كل دعوة: «قد فعلت».
  4. اجعل لبيتك نصيباً من سورة البقرة، ولو بتقسيمها على أيام الأسبوع بين أفراد الأسرة.
  5. استعن بخاصية حفظ موضع القراءة في المصحف على الموقع لتكمل السورة على مراحل.
  6. ادعُ بهذه الدعوات في خلواتك وفي أوقات الإجابة، فهي من جوامع الدعاء القرآني التي يحسن بالمسلم أن يكثر منها.

خلاصة

خواتيم سورة البقرة نور أوتيه النبي ﷺ، تجمع أصول الإيمان وقاعدة التيسير ودعوات استجابها الله، ومن قرأهما في ليلة كفتاه. وسورة البقرة كلها بركة تطرد الشيطان من البيوت وتحاجّ عن صاحبها يوم القيامة. فطوبى لمن جعل لها من ليله ونهاره نصيباً.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن.
  3. صحيح مسلم، كتاب الإيمان وكتاب صلاة المسافرين وقصرها.
  4. فتح الباري لابن حجر.
  5. شرح النووي على صحيح مسلم.
  6. تفسير ابن كثير.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.