فضل سورة الكهف وقراءتها يوم الجمعة
فضل سورة الكهف في السنة الصحيحة: العصمة من الدجال، ونزول السكينة، وقراءتها يوم الجمعة، مع وقفات مع قصصها الأربع وما فيها من دروس في مواجهة الفتن.
5 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
سورة الكهف من السور التي يعرفها المسلمون بارتباطها بيوم الجمعة، فكثير منهم يحرص على تلاوتها كل أسبوع. وهي سورة مكية عظيمة، تضم أربع قصص متتابعة، وتحمل في مطلعها وخاتمتها حصانة للمؤمن من أعظم فتنة تمر بالبشرية، فتنة المسيح الدجال.
في هذا المقال نعرض آيات من مطلع السورة وخاتمتها، ونجمع ما صح في فضلها، ونبيّن ما ورد في قراءتها يوم الجمعة ودرجته، ثم نتأمل قصصها الأربع ودروسها، ونختم بنصائح عملية للمداومة عليها.
مطلع السورة ودعاء الفتية
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾
تفتتح السورة بحمد الله على إنزال القرآن مستقيماً لا اعوجاج فيه، قيّماً على الكتب قبله، منذراً للمعرضين ومبشراً للمؤمنين العاملين. ثم تبدأ قصة الفتية الذين فرّوا بدينهم إلى الكهف، فكان أول ما فعلوه أن لجؤوا إلى الله بهذا الدعاء الجامع:
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾
وهو دعاء يصلح لكل من ضاقت به السبل أو احتار في أمر: أن يسأل الله رحمة من عنده، وأن يهيئ له الرشد والصواب في أمره كله.
فضلها في السنة الصحيحة
عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال».
رواه مسلم (809).
وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه الطويل في ذكر الدجال قال النبي ﷺ: «فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف».
رواه مسلم (2937).
قال أهل العلم: إن في مطلع السورة من العجائب والآيات ما يثبّت قلب المؤمن أمام خوارق الدجال؛ فقصة الفتية الذين حفظهم الله في كهفهم مئات السنين دليل على أن القدرة كلها لله، فلا يغترّ المؤمن بما يُظهره الدجال من فتن.
والمقصود بالحفظ هنا ليس مجرد ترديد الألفاظ، بل حفظ يصحبه فهم وإيمان بما في الآيات من توحيد الله وتنزيهه عن الولد، والتحذير ممن قال على الله بغير علم. فالدجال يدّعي الربوبية، والآيات العشر الأولى تقرر أن الحمد كله لله، وأن الحق ما أنزله على عبده، وأن زينة الأرض ابتلاء زائل؛ فمن رسخت هذه المعاني في قلبه لم تخدعه الخوارق.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط، فتغشّته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن».
رواه البخاري (5011) ومسلم (795).
والسكينة طمأنينة ورحمة ينزلها الله، ويصحبها الملائكة كما ذكر أهل العلم. وفي الحديث بيان لبركة تلاوة هذه السورة، وأن القرآن تتنزل معه الرحمة على قارئه.
قراءتها يوم الجمعة
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين».
رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
ورأى بعض أهل العلم أن الصواب في هذا الحديث وقفه على أبي سعيد رضي الله عنه، لكن له حكم الرفع لأن مثله لا يُقال بالرأي. وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة عمل شائع عند المسلمين قديماً وحديثاً، واستحبها كثير من العلماء.
أما وقتها فيرى كثير من أهل العلم أنه يمتد من غروب شمس يوم الخميس إلى غروب شمس يوم الجمعة، لأن ليلة الجمعة تابعة لها، ومنهم من يخصّه بنهار الجمعة. والأمر فيه سعة، ومن قرأها في نهار الجمعة فقد أدرك الفضل على القولين.
القصص الأربع ودروسها في مواجهة الفتن
ذكر بعض أهل العلم في تأملاتهم أن قصص السورة الأربع تدور حول أربع فتن كبرى يتعرض لها الإنسان، وأن السورة ترشد إلى طريق النجاة من كل منها:
- أصحاب الكهف، فتنة الدين: فتية آمنوا بربهم في مجتمع يضطهدهم، ففرّوا بدينهم، فحفظهم الله. والعاصم من هذه الفتنة الصحبة الصالحة وتذكّر الآخرة.
- صاحب الجنتين، فتنة المال: رجل اغترّ بماله وبستانيه حتى ظن أنهما لن يبيدا، فأحيط بثمره. والعاصم منها معرفة حقيقة الدنيا وزوالها.
- موسى والخضر عليهما السلام، فتنة العلم: نبي كريم يرحل ليتعلم ممن آتاه الله علماً لم يؤته إياه. والعاصم منها التواضع والصبر والإقرار بأن فوق كل ذي علم عليماً.
- ذو القرنين، فتنة السلطان: ملك مكّن الله له في الأرض فسخّر قوته في العدل ونفع الناس، ونسب الفضل لربه: ﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾. والعاصم منها الإخلاص وتذكر الحساب.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾
فالآية الأولى ترسم علاج فتنة الدين بلزوم الذاكرين الصادقين، والثانية تضع المال والبنين في حجمهما الصحيح، وتوجه القلب إلى الباقيات الصالحات. وقد فسّر جمع من السلف الباقيات الصالحات بقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وفسّرها آخرون بالأعمال الصالحة عموماً.
وقفات مع خاتمة السورة
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
تُختم السورة ببيان سعة كلمات الله التي لا تنفد، فما قصّته السورة من عجائب ليس إلا قليلاً من علمه. ثم تأتي الآية الأخيرة جامعةً لشرطي قبول العمل كما قرر أهل العلم: أن يكون صالحاً موافقاً لما جاء به الرسول ﷺ، وأن يكون خالصاً لله لا شرك فيه. وهذا هو الحصن الحقيقي من الفتن كلها.
وتأمل كيف بدأت السورة بالحمد على إنزال الكتاب، وختمت بذكر كلمات الله التي لا تنفد؛ فكأن السورة كلها تدور حول الوحي: هو النور الذي يهتدي به المؤمن وسط الفتن، وهو الميزان الذي تُعرف به حقائق الأشياء. وقوله ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تأكيد لعبودية النبي ﷺ، وحماية لجناب التوحيد من الغلو.
نصائح عملية للمداومة عليها
- احفظ الآيات العشر الأولى من السورة، وراجعها بانتظام، وعلّمها أبناءك.
- خصص لها وقتاً ثابتاً كل جمعة، كبعد صلاة الفجر أو قبل صلاة الجمعة، ويمكنك تقسيمها على ليلة الجمعة ونهارها.
- استعمل المصحف على موقع تسبيح الذي يحفظ موضع قراءتك، فتكمل من حيث توقفت.
- اقرأ تفسيراً مختصراً لقصة واحدة كل أسبوع، فتتحول القراءة الأسبوعية إلى تدبر متجدد.
- ادعُ بدعاء الفتية كلما أهمّك أمر: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.
خلاصة
سورة الكهف عصمة من الدجال لمن حفظ فواتحها، وسكينة تتنزل على قارئها، ونور للمؤمن بين الجمعتين. وهي قبل ذلك منهج في مواجهة فتن الدين والمال والعلم والسلطان، يختم بوصية جامعة: العمل الصالح والإخلاص لله. فاجعل لها موعداً أسبوعياً لا تخلفه.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وكتاب الفتن وأشراط الساعة.
- صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن.
- المستدرك للحاكم، والسنن الكبرى للبيهقي.
- صحيح الجامع الصغير للألباني.
- تفسير ابن كثير، تفسير سورة الكهف.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.