فضل سورة الفاتحة: أم الكتاب والسبع المثاني
تعرّف على فضل سورة الفاتحة أعظم سور القرآن: نصها كاملاً، وأسماؤها، وما صح في فضلها من السنة، ومعنى «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، مع شرح موجز لآياتها ونصائح للتدبر.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
سورة الفاتحة أول ما يلقاه القارئ حين يفتح المصحف، وأكثر ما يردده المسلم من كتاب الله؛ فهو يقرؤها في كل ركعة من صلواته فرضاً ونفلاً، فلا يمر عليه يوم إلا وقد تلاها سبع عشرة مرة على الأقل في الفرائض وحدها. ومع هذا التكرار الكثير قد يغفل كثير منا عن عظمة هذه السورة القصيرة وعمق معانيها، فتصير على اللسان عادةً بعد أن كانت مناجاةً حيّة بين العبد وربه.
في هذا المقال نعرض نص السورة كاملاً، ونقف على أسمائها التي ذكرها أهل العلم، ثم نجمع ما صح في فضلها من القرآن والسنة، ونشرح معانيها آيةً آية بإيجاز، ونختم بنصائح عملية تعين على قراءتها بحضور قلب وتدبر.
نص سورة الفاتحة
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
السورة مكية في قول أكثر العلماء، وآياتها سبع. وقد اختلف أهل العلم في عدّ البسملة آيةً منها، والترقيم المعتمد هنا هو ترقيم المصحف المتداول برواية حفص عن عاصم الذي يعدّ البسملة الآية الأولى. ويمكنك قراءة السورة في صفحة المصحف على الموقع مع حفظ موضع القراءة تلقائياً.
أسماء السورة ودلالاتها
كثرة الأسماء في كلام العرب دليل على شرف المسمّى، وقد ذكر العلماء لهذه السورة أسماء عدة، بعضها ورد في السنة وبعضها وصف اشتهر عند أهل العلم، ومن أشهرها:
- الفاتحة أو فاتحة الكتاب: لأن المصحف يُفتتح بها كتابةً، وتُفتتح بها القراءة في الصلاة.
- أم الكتاب وأم القرآن: لأنها جمعت مقاصد القرآن الكبرى من توحيد الله والثناء عليه، والإيمان باليوم الآخر، وإفراده بالعبادة والاستعانة، وطلب الهداية، وذكر طريق المنعَم عليهم وطريق المخالفين.
- السبع المثاني: لأنها سبع آيات تُثنّى أي تُكرَّر في كل ركعة، وقيل لأن فيها الثناء على الله.
- الحمد: لافتتاحها بحمد الله تعالى.
- الرقية والشافية: وهما من الأسماء التي ذكرها بعض العلماء أخذاً من حديث الرقية بها الآتي ذكره.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
فسّر كثير من المفسرين «السبع المثاني» في هذه الآية بسورة الفاتحة، ويشهد لذلك الحديث الصحيح الذي وصفها فيه النبي ﷺ بأنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه. فهذه السورة منّة خاصة امتنّ الله بها على نبيه ﷺ وعلى أمته.
فضلها في السنة الصحيحة
عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله عنه قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، ثم أتيته فأخبرته، فقال: «ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟»، ثم قال: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، فلما أراد أن يخرج ذكّرته، فقال: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
رواه البخاري (4474).
هذا نص صريح في أن الفاتحة أعظم سورة في كتاب الله. وتأمل حرص النبي ﷺ على تشويق الصحابي قبل أن يخبره، فقد وعده بها ثم أخذ بيده حتى إذا قارب الخروج من المسجد ذكّره أبو سعيد بوعده؛ وفي هذا أدب تعليمي يجعل السامع متطلعاً لما سيُلقى إليه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع صوتاً من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فسلّم وقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته».
رواه مسلم (806).
ومعنى «لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» عند أهل العلم: أنك لا تقرأ شيئاً مما فيهما من الدعاء والسؤال إلا أعطاك الله إياه، فالفاتحة تتضمن سؤال الهداية، وخواتيم البقرة تتضمن سؤال العفو والمغفرة والرحمة والنصر.
ومن فضائلها كذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نفراً من الصحابة نزلوا بحيّ من العرب فلُدغ سيدهم، فرقاه أحدهم بفاتحة الكتاب فبرأ بإذن الله، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ وأخبروه أقرّهم وقال للراقي: «وما يدريك أنها رقية». وفي ذلك دليل على مشروعية الرقية بالفاتحة، مع اليقين بأن الشفاء بيد الله وحده.
قال النبي ﷺ للصحابي الذي رقى بالفاتحة: «وما يدريك أنها رقية».
رواه البخاري (2276) ومسلم (2201).
الفاتحة ركن الصلاة ومناجاة بين العبد وربه
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
رواه البخاري (756) ومسلم (394).
ولهذا عدّ جمهور العلماء قراءة الفاتحة ركناً من أركان الصلاة لا تصح إلا به، ولأهل العلم تفصيل في حكم قراءة المأموم خلف الإمام يُرجع فيه إلى كتب الفقه وإلى أهل العلم في بلدك. والمقصود هنا أن الله جعل هذه السورة لازمة في كل ركعة، فهي أكثر كلام يناجي به العبد ربه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
رواه مسلم (395).
المراد بالصلاة في هذا الحديث القدسي سورة الفاتحة، سمّاها الله صلاة لأنها لا تصح إلا بها. ولو استحضر المصلي أن ربه يجيبه عند كل آية لتغيّرت صلاته كلها؛ فهو يحمد فيُقال: حمدني عبدي، ويسأل الهداية فيُقال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. وهذا من أعظم ما يعين على الخشوع، ولذلك استحب العلماء التمهّل في قراءتها والوقوف على رؤوس الآيات.
وقفات مع معاني السورة
- ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾: ابتداء بالاستعانة باسم الله والتبرك به، وفيه اسمان من أسماء الرحمة.
- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الحمد هو الثناء على الله بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والرب هو المالك المدبّر المربّي لجميع خلقه.
- ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾: ذكر أهل العلم أن الرحمن ذو الرحمة الواسعة الشاملة، والرحيم الموصل رحمته إلى من شاء من عباده، وخاصةً المؤمنين.
- ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: أي يوم الجزاء والحساب، وفيه تذكير بالآخرة يوازن الرجاء بالخوف.
- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: تقديم المفعول يفيد الحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. وقال كثير من العلماء إن هذه الآية سرّ السورة، بل هي جامعة لمعنى الدين كله: عبادة وتوكل.
- ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أعظم دعاء وأحوجه، فالعبد محتاج إلى الهداية في كل لحظة: هداية العلم بالحق، وهداية التوفيق للعمل به، والثبات عليه.
- ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...﴾: طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مع الاستعاذة من طريق من عرف الحق وترك العمل به، ومن عمل على غير علم.
نصائح لقراءتها بتدبر وحضور قلب
- تعلّم تجويدها وصحّح مخارج حروفها عند قارئ متقن، فهي أولى ما ينبغي إتقانه لأن الصلاة متوقفة عليها.
- قف على رأس كل آية في الصلاة، واستحضر جواب الله لك كما في الحديث القدسي.
- اجعل دعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ حاضراً في قلبك عند كل حيرة أو قرار، فأنت تسأله في كل ركعة.
- أكثر من حمد الله خارج الصلاة أيضاً؛ يمكنك استعمال عدّاد «الحمد لله رب العالمين» في تسبيح لتذكّر نفسك بهذا الثناء طوال يومك.
- إذا رقيت نفسك أو مريضك بالفاتحة فاقرأها بيقين وتوكل، دون اعتقاد أن الأثر من ذات الألفاظ بمعزل عن مشيئة الله.
خلاصة
سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وركن الصلاة الذي لا تصح بدونه، ونور أوتيه النبي ﷺ لم يؤته نبي قبله، ورقية أقرّها النبي ﷺ. ومن أعظم ما يقدمه المسلم لنفسه أن يعيد اكتشاف هذه السورة التي يقرؤها كل يوم، فيقرأها قراءة من يعلم أن ربه يسمعه ويجيبه.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب التفسير وكتاب الإجارة وكتاب الأذان.
- صحيح مسلم، كتاب الصلاة وكتاب صلاة المسافرين وكتاب السلام.
- تفسير ابن كثير، تفسير سورة الفاتحة.
- شرح النووي على صحيح مسلم.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.