الباقيات الصالحات: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير

تعرّف على الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، معانيها وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وتسبيح ما بعد الصلاة، وكيف تداوم عليها.

أربع كلمات يسيرة يحفظها الصغير قبل الكبير: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». غير أن وراء هذه الكلمات معاني تقوم عليها العقيدة كلها، وأجوراً أخبر عنها النبي ﷺ بأنها أحب الكلام إلى الله، وأحب إليه مما طلعت عليه الشمس، وأنها غراس الجنة.

وقد فسّر جمع من السلف «الباقيات الصالحات» في سورة الكهف بهذه الكلمات، لأنها تبقى لصاحبها ذخراً حين يفنى المال والولد. في هذا المقال نشرح معنى كل كلمة منها، ونجمع ما صحّ في فضلها، ونبيّن التسبيح المشروع بعد الصلوات، ثم نقدّم نصائح للمداومة عليها.

نص الذكر ومعنى كل كلمة

سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

لا يضرك بأيهن بدأت

  • «سبحان الله»: تنزيه الله عن كل نقص وعيب، وعن مشابهة خلقه، وعن الشريك والولد.
  • «الحمد لله»: الثناء على الله بصفات الكمال ونعوت الجلال، مع محبته والاعتراف بنعمه كلها.
  • «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله، وهي كلمة التوحيد التي من أجلها خُلق الخلق وأُرسلت الرسل.
  • «الله أكبر»: الله أكبر من كل شيء، في ذاته وقدرته وعلمه وعظمته، فلا يُقدَّم عليه شيء في القلب.

وقد لاحظ أهل العلم أن هذه الكلمات الأربع تجمع أصول الثناء على الله: فالتسبيح نفي للنقائص، والتحميد إثبات للكمالات، والتهليل إفراد لله بالعبادة، والتكبير إثبات أنه أعظم من كل ما سواه. فمن قالها متدبراً فقد عظّم ربه من كل جانب.

الباقيات الصالحات في القرآن الكريم

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾

سورة الكهف: 46

ذكر ابن كثير في تفسيره أقوال السلف في الباقيات الصالحات، ومنها أنها هذه الكلمات الأربع، ومنها أنها الصلوات الخمس، ومنها أنها الأعمال الصالحة كلها. والقول الأخير يشمل ما قبله، والكلمات الأربع من أظهر أفرادها. ووجه المقابلة في الآية أن المال والبنين زينة زائلة، أما هذه الأعمال فثوابها باقٍ، وهي خير ما يؤمّله العبد عند ربه.

وجاء في القرآن الكريم الحمد في فاتحة الكتاب، والأمر بالحمد والتكبير معاً في ختام سورة الإسراء:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

سورة الفاتحة: 2

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾

سورة الإسراء: 111

وفي هذه الآية اجتمعت المعاني الأربعة: الحمد صريحاً، والتنزيه بنفي الولد والشريك والولي من الذل، وهو حقيقة التوحيد، ثم الأمر بالتكبير مؤكّداً بالمصدر «تكبيراً».

فضلها في السنة الصحيحة

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت».

رواه مسلم (2137).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس».

رواه مسلم (2695).

قال أهل العلم في معنى هذا الحديث: إن هذه الكلمات أحب إلى النبي ﷺ من الدنيا كلها وما فيها، لأن الدنيا فانية وثواب الذكر باقٍ. وفي ذلك ميزان صحيح للمسلم يقيس به الأشياء؛ فإذا كانت الدنيا بأسرها لا تعدل عند النبي ﷺ هذه الكلمات، فحريّ بنا ألا نفرّط فيها ونحن نقدر عليها في كل لحظة دون كلفة.

عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض…».

رواه مسلم (223).

والميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة ميزان حقيقي عظيم، ومع ذلك تملؤه كلمة «الحمد لله» وحدها، فإذا اجتمع معها التسبيح ملأ ثوابهما ما بين السماء والأرض. وهذا يدل على أن قيمة الكلمة عند الله بما تحمله من تعظيم وصدق، لا بطولها أو مشقتها.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ليلة أُسري بي فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».

رواه الترمذي (3462)، وحسّنه الألباني.

والقيعان جمع قاع، وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر؛ فكأن الجنة أرض واسعة طيبة، يغرس فيها العبد بكل كلمة من هذه الكلمات غرساً يجده يوم القيامة. وفي ذلك حثّ لطيف على الإكثار منها، فكلما زاد الذكر زاد الغرس.

التسبيح بعد الصلوات المكتوبة

من أعظم مواطن هذه الكلمات ما شرعه النبي ﷺ بعد كل صلاة مفروضة، وقد رتّب عليه أجراً عظيماً:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «من سبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».

رواه مسلم (597).

سُبْحَانَ اللَّهِ

33 مرة

الْحَمْدُ لِلَّهِ

33 مرة

اللَّهُ أَكْبَرُ

33 مرة

لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

مرة واحدة تمام المائة

وهذا الذكر يستغرق دقائق قليلة بعد كل صلاة، لكنه يتكرر خمس مرات في اليوم، فيجتمع للمسلم في يومه خمسمائة من الباقيات الصالحات مع مغفرة الخطايا. وقد وردت صيغ أخرى صحيحة في عدد هذا التسبيح، والصيغة المذكورة هنا من أشهرها.

فضل الحمد والتهليل خاصة

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله».

رواه الترمذي (3383) وابن ماجه (3800)، وحسّنه الألباني.

وإنما كان الحمد أفضل الدعاء لأن الحامد معترف بنعمة الله، والشكر سبب للزيادة، فمن حمد الله فكأنه سأله المزيد بلسان الحال. ومن صور الحمد التي يحبها الله حمده على النعم اليومية الصغيرة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها».

رواه مسلم (2734).

فرضا الله يُنال بكلمة «الحمد لله» بعد لقمة أو شربة ماء، وهذا من أعظم ما يبيّن سعة رحمة الله ويسر طريق رضاه.

نصائح عملية وتنبيهات

  1. حافظ على التسبيح بعد كل صلاة مفروضة قبل أن تقوم من مكانك، فهو أسهل طريق لترسيخ هذه الكلمات في يومك.
  2. اجعل الكلمات الأربع مجتمعة ذكراً مطلقاً تردده في طريقك، ولو عشر مرات في كل مشوار.
  3. عوّد لسانك على «الحمد لله» بعد الطعام والشراب وعند كل نعمة تتجدد.
  4. اعقد التسبيح بأصابع يمينك متى أمكن، واستعن بعدّاد على الويب لضبط الأعداد وتحديد هدف يومي إن احتجت.
  5. علّم أطفالك هذه الكلمات ومعانيها، فهي أول ما يغرس التوحيد في قلوبهم.

وتنبّه إلى أن قول النبي ﷺ «لا يضرك بأيهن بدأت» يدل على سعة الأمر في ترتيب الكلمات الأربع في الذكر المطلق، أما الأذكار المقيدة بصيغة وعدد معيّن فالأولى الالتزام بما ورد فيها.

خلاصة

الباقيات الصالحات أربع كلمات تجمع أصول تعظيم الله، وهي أحب الكلام إليه، وأحب إلى النبي ﷺ من الدنيا كلها، وغراس الجنة، وتملأ الميزان. ومن جعلها رفيقة لسانه بعد صلواته وفي طرقاته وعند نعمه، فقد ادّخر لنفسه ما لا يفنى حين يفنى كل شيء.

طبّق على تسبيح

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. تفسير ابن كثير.
  3. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، وكتاب المساجد، وكتاب الطهارة.
  4. سنن الترمذي، أبواب الدعوات.
  5. سنن ابن ماجه، كتاب الأدب.
  6. رياض الصالحين للنووي، كتاب الأذكار.

نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.

فضل الذكر وثمراته: معناه وأنواعه وكيف تجعله عادة يومية

دليل شامل عن ذكر الله: معناه وأنواعه، وفضله في القرآن والسنة الصحيحة، وثمراته على القلب والحياة، وخطوات عملية للمداومة عليه وعقد التسبيح بالأنامل.

6 دقائق قراءة

فضل الصلاة على النبي ﷺ وصيغها الصحيحة

تعرّف على معنى الصلاة على النبي ﷺ وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، والصيغة الإبراهيمية الثابتة، ومواطن الإكثار منها كيوم الجمعة وبعد الأذان، مع نصائح عملية للمداومة.

6 دقائق قراءة

فضل «لا إله إلا الله»: معنى كلمة التوحيد وفضل التهليل

شرح كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»: معناها في النفي والإثبات وشروطها، وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وفضل التهليل مائة مرة وعشر مرات، مع نصائح عملية.

6 دقائق قراءة

«حسبنا الله ونعم الوكيل»: معناها وفضلها ومتى تقال

شرح «حسبنا الله ونعم الوكيل»: معناها، وقصتها مع إبراهيم عليه السلام والنبي ﷺ، وفضل التوكل في القرآن والسنة، ومتى تقال، والفرق بين التوكل الصحيح وترك الأسباب.

5 دقائق قراءة