فضل آية الكرسي: أعظم آية في كتاب الله
آية الكرسي أعظم آية في القرآن: نصها، وما صح في فضلها من حديث أبيّ بن كعب وقصة أبي هريرة، وقراءتها عند النوم ودبر الصلوات، مع شرح جملها العشر ومعانيها.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
آية واحدة من سورة البقرة، لكنها تحمل من معاني التوحيد وتعظيم الله ما يملأ القلب هيبةً وطمأنينة. إنها آية الكرسي، التي سأل النبي ﷺ عنها أحد كبار قراء الصحابة فأصاب، فهنّأه بالعلم. وقد اعتاد المسلمون قراءتها عند النوم وبعد الصلوات، حتى صارت من أحفظ آيات القرآن على ألسنة الصغار والكبار.
في هذا المقال نعرض نص الآية، ونجمع ما صح في فضلها، ثم نشرح جملها العشر واحدةً واحدة لنفهم سرّ عظمتها، ونختم بمواضع قراءتها ونصائح للمداومة عليها بقلب حاضر.
نص آية الكرسي
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
سُمّيت آية الكرسي لورود ذكر الكرسي فيها، وهي الآية الخامسة والخمسون بعد المائتين من سورة البقرة. وليس فيها أمر ولا نهي ولا قصة، بل هي من أولها إلى آخرها خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته، ولعل هذا من أسرار عظمتها.
فضلها في السنة الصحيحة
عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فضرب في صدري وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر».
رواه مسلم (810).
في الحديث شهادة نبوية بأن آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، وفيه منقبة لأبيّ بن كعب رضي الله عنه، فقد دعا له النبي ﷺ بأن يهنأ بالعلم الذي آتاه الله. وفيه أدب السؤال لإثارة الانتباه، وأن الصحابي ردّ العلم أولاً إلى الله ورسوله، فلما أعاد النبي ﷺ السؤال اجتهد فأصاب.
ومن أشهر ما ورد في فضلها قصة أبي هريرة رضي الله عنه حين وكّله النبي ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فجاءه آتٍ ثلاث ليال يأخذ من الطعام، وفي كل مرة يشكو الحاجة فيخلّي سبيله، فلما كانت الثالثة قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه «لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح». فلما أخبر أبو هريرة النبيَّ ﷺ بذلك قال: «صدقك وهو كذوب»، وأخبره أن الذي كان يخاطبه شيطان.
قال النبي ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه في شأن من علّمه قراءة آية الكرسي عند النوم: «صدقك وهو كذوب».
رواه البخاري (2311).
ومن الفوائد اللطيفة في القصة أن الحق يُقبل ممن جاء به ولو كان كاذباً في عامة أمره، وأن هذا الفضل ثبت بإقرار النبي ﷺ لا بمجرد قول الشيطان. وفيها كذلك أن الشياطين تعرف ما يحرز المؤمن منها، وأن آية الكرسي من أعظم ما يُتحصّن به في الليل، وقت السكون والغفلة.
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».
رواه النسائي في السنن الكبرى، وصححه الألباني.
شرح جملها العشر
ذكر ابن كثير في تفسيره أن هذه الآية اشتملت على عشر جمل مستقلة كلها متعلقة بالله تعالى، وإليك بيانها بإيجاز:
- ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾: إثبات التوحيد، فلا معبود بحق إلا الله، وهي كلمة الإخلاص التي بُعث بها الرسل.
- ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: الحي حياةً كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، والقيوم القائم بنفسه، المقيم لغيره، فكل الخلق مفتقر إليه وهو غني عنهم.
- ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: السِّنة النعاس الذي يسبق النوم، فنفى عنه أوائل النوم ونفى النوم نفسه، وذلك لكمال حياته وقيوميته.
- ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ملك تام شامل، فالكل عبيده وتحت قهره وتصرفه.
- ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: استفهام بمعنى النفي، فلا يتقدم أحد بالشفاعة عنده مهما علت منزلته إلا بعد إذنه، وهذا من كمال عظمته وسلطانه.
- ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: علم محيط بالماضي والمستقبل والحاضر، لا يخفى عليه شيء.
- ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: لا يعلم الخلق من علمه إلا ما أطلعهم عليه، فعلم البشر مهما اتسع قطرة من بحر.
- ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: الكرسي مخلوق عظيم، وقد تعددت أقوال المفسرين في تفسيره، والمشهور عند كثير من أهل السنة أنه غير العرش وأن العرش أعظم منه. وإذا كان الكرسي يسع السماوات والأرض فكيف بعظمة خالقه!
- ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: لا يُثقله ولا يُتعبه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، لكمال قدرته.
- ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: له العلو المطلق: علو الذات والقدر والقهر، وله العظمة التامة في ذاته وصفاته.
وبهذا يتبين لماذا كانت أعظم آية: فقد جمعت التوحيد، وأسماء الله الحسنى، ونفي النقائص عنه، وإثبات الملك والعلم والقدرة والعلو، في سياق محكم بديع. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن اسم الله الأعظم في هذه الآية، في ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، والمسألة محل اجتهاد بين العلماء.
متى تُقرأ آية الكرسي؟
- عند النوم: كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهي ضمن سلسلة أذكار النوم في تسبيح.
- دبر كل صلاة مكتوبة: بعد الأذكار المعروفة عقب السلام، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه.
- في أذكار الصباح والمساء: يوردها كثير من أهل العلم ضمن أوراد الصباح والمساء، وهي موجودة في سلسلتي أذكار الصباح والمساء الكاملتين.
- في كل وقت: فهي من القرآن، وتلاوتها عبادة وذكر في أي حال.
ثمرات تدبرها في حياة المسلم
- الطمأنينة: فمن علم أن ربه حي قيوم لا ينام، نام قرير العين وقد فوّض أمره إليه.
- التوكل: فالمالك لما في السماوات والأرض هو الذي يُرجى ويُسأل، لا المخلوق الضعيف.
- الخشية والمراقبة: فالله يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، فلا يخفى عليه سرّ ولا علانية.
- التواضع في طلب العلم: فما نعلمه إلا ما شاء الله أن نعلمه.
- إخلاص الرجاء في الشفاعة لله: فلا تُطلب إلا منه، ولا تكون إلا بإذنه.
نصائح للمداومة عليها
- احفظها حفظاً متقناً مع تصحيح تلاوتها، وعلّمها أطفالك مبكراً.
- اربطها بعادات ثابتة: بعد كل صلاة مكتوبة، وقبل النوم، فبهذا تقرؤها ست مرات على الأقل يومياً.
- استعن بسلاسل الأذكار الجاهزة في تسبيح التي تنتقل تلقائياً إلى الذكر التالي بعد إتمام العدد، حتى لا تفوتك في زحمة اليوم.
- اقرأها متدبراً، وتوقف عند كل جملة لتستحضر معناها بدل أن تمر بها سريعاً.
- تذكر أن الحفظ من الله، وأن القراءة سبب شرعي يُعمل به مع اليقين والتوكل.
خلاصة
آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله بشهادة النبي ﷺ، وهي حرز للمؤمن عند نومه بإقرار النبي ﷺ، وقراءتها دبر الصلوات من أسباب دخول الجنة. وأعظم من حفظ ألفاظها أن تعيش معانيها: أن تعرف ربك الحي القيوم العلي العظيم، فتعبده وحده، وتتوكل عليه، وتطمئن إلى حفظه.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
- صحيح البخاري، كتاب الوكالة.
- السنن الكبرى للنسائي.
- تفسير ابن كثير، تفسير آية الكرسي.
- صحيح الجامع الصغير للألباني.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.