فضل يوم الجمعة وسننه وأذكاره
فضل يوم الجمعة في القرآن والسنة الصحيحة: خير يوم طلعت عليه الشمس، وسنن الغسل والتبكير والطيب، وساعة الإجابة، والصلاة على النبي ﷺ وقراءة الكهف.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
يوم الجمعة عيد الأسبوع للمسلمين، اختصّ الله به هذه الأمة، وجعل فيه صلاة جامعة يجتمع لها أهل كل بلد، وجعل فيه ساعة لا يرد فيها سائلاً. وهو موسم يتكرر كل سبعة أيام، فمن أحسن اغتنامه اجتمع له في عامه أكثر من خمسين موسماً من مواسم الخير.
في هذا المقال نجمع فضائل يوم الجمعة الثابتة في القرآن والسنة الصحيحة، ونبيّن سننه وآدابه من الغسل والتبكير والإنصات، وأذكاره من الصلاة على النبي ﷺ وقراءة سورة الكهف، ونختم بقائمة عملية تعينك على اغتنامه كل أسبوع.
الجمعة في القرآن الكريم
سمّى الله سورة من كتابه باسم هذا اليوم، وأمر فيها المؤمنين بالسعي إلى ذكر الله إذا نودي للصلاة، وترك البيع والشواغل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
والسعي هنا هو المبادرة والاهتمام والمضي إلى الصلاة، لا الركض المنهي عنه. وفي الآيتين توازن بديع: انقطاع للعبادة وقت الصلاة، ثم انتشار في الأرض لطلب الرزق مع دوام ذكر الله كثيراً، فلا ينفصل الذكر عن حياة المسلم حتى في سوقه وعمله.
خير يوم طلعت عليه الشمس
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة».
رواه مسلم (854).
ارتبط هذا اليوم بأحداث كبرى في تاريخ البشرية من بدايتها إلى نهايتها: خلق آدم عليه السلام، ودخوله الجنة، وخروجه منها، وقيام الساعة. ولذلك كان يوماً يذكّر المؤمن بأصله ومصيره، ويدعوه إلى الاستعداد للقاء الله.
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر».
رواه مسلم (233).
وفي المقابل حذّر النبي ﷺ من التهاون في شهود الجمعة، فقال: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين»، رواه مسلم (865). فترك الجمعة بغير عذر سبب لقسوة القلب والغفلة.
سنن الجمعة: الغسل والطيب والتبكير
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد».
رواه البخاري (880) ومسلم (846).
وقد اختلف أهل العلم في غسل الجمعة: فمنهم من يرى وجوبه أخذاً بظاهر هذا الحديث، ومنهم من يرى أنه سنة مؤكدة. والمسلم الحريص لا يفرّط فيه على كلا القولين، ويضيف إليه السواك والطيب ولبس أحسن الثياب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة…».
رواه البخاري (881) ومسلم (850).
وتمام الحديث أن من راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، وفي الثالثة كبشاً، وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. فالتبكير إلى الجمعة يرفع درجة صاحبه، ومن تأخر حتى يصعد الإمام المنبر فاته فضل التبكير، وإن أدرك أجر الصلاة.
آداب الخطبة والإنصات
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا».
رواه مسلم (857).
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت».
رواه البخاري (934) ومسلم (851).
فإذا كان الأمر بالمعروف بكلمة «أنصت» لغواً وقت الخطبة، فكيف بالحديث في شؤون الدنيا أو العبث بالهاتف؟ والإنصات للخطبة عبادة في ذاته، به تتحقق المغفرة الموعودة، وبه ينتفع المصلي بالموعظة.
ساعة الإجابة يوم الجمعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه»، وأشار بيده يقللها.
رواه البخاري (935) ومسلم (852).
واختلف أهل العلم في تعيين هذه الساعة على أقوال، أشهرها قولان: الأول أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عند مسلم (853). والثاني أنها آخر ساعة بعد العصر، لحديث جابر رضي الله عنه وفيه: «فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر»، رواه أبو داود (1048) والنسائي (1389)، وصححه الألباني.
والأحوط للمسلم أن يجتهد في الدعاء في الوقتين: فيدعو في جلسة الإمام بين الخطبتين وفي سجوده وقبل سلامه، ثم يتفرغ للدعاء في آخر ساعة قبل المغرب، فيجمع بين القولين ويرجو أن يوافق الساعة.
أذكار الجمعة وقراءتها
عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي».
رواه أبو داود (1047)، وصححه الألباني.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
من الصلاة الإبراهيمية — رواه البخاري (3370) ومسلم (406)؛ يُكثر منها يوم الجمعة وليلتها
ومن الأعمال المشهورة في هذا اليوم قراءة سورة الكهف، وقد ورد في فضلها يوم الجمعة حديث رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني، وفيه أن من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين. وقد فصّلنا فضائل هذه السورة في مقال مستقل.
وكان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة سورة السجدة «الم تنزيل» في الركعة الأولى، و«هل أتى على الإنسان» في الثانية، رواه البخاري (891) ومسلم (880). وفي هاتين السورتين تذكير بالخلق والبعث والجزاء، وهو ما يناسب هذا اليوم الذي فيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة.
قائمة عملية ليوم الجمعة
- أكثر من الصلاة على النبي ﷺ من ليلة الجمعة، واجعل لك عدداً يومياً تحافظ عليه، ويمكنك الاستعانة بعدّاد الصلاة على النبي في موقع تسبيح.
- احرص على صلاة الفجر في جماعة، فهي من أفضل الصلوات.
- اقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، ويمكنك متابعة قراءتها من المصحف على الموقع.
- اغتسل، وتسوّك، وتطيّب، والبس أحسن ثيابك.
- بكّر إلى المسجد قدر استطاعتك، وصلِّ ما تيسر حتى يخرج الإمام، واشتغل بالقرآن والذكر.
- أنصت للخطبة، وأغلق هاتفك أو اجعله صامتاً، ولا تعبث بشيء.
- ادعُ بين الخطبتين وفي سجودك، ثم تفرّغ للدعاء في آخر ساعة من العصر إلى المغرب.
- اجعل لك صدقة أسبوعية يوم الجمعة، وصلة لأرحامك ولو باتصال.
ومن داوم على هذه القائمة أسبوعاً بعد أسبوع صارت الجمعة عنده محطة إيمانية يتزوّد منها لبقية أيامه، ويراجع فيها حاله مع ربه، بدلاً من أن تكون مجرد يوم عطلة للنوم والترفيه.
خلاصة
يوم الجمعة خير أيام الأسبوع، فيه صلاة جامعة تكفّر ما بين الجمعتين لمن اجتنب الكبائر، وفيه ساعة إجابة، وفيه تُعرض صلاة المسلمين على نبيهم ﷺ. وسننه يسيرة لمن عزم عليها: غسل وطيب وتبكير وإنصات، وإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وقراءة سورة الكهف، ودعاء في آخر النهار. فاجعل كل جمعة بداية جديدة، تتوب فيها مما مضى، وتعزم فيها على الخير لما بقي، وتسأل الله أن يجعلك من أهل ذكره وشكره وحسن عبادته.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب الجمعة.
- صحيح مسلم، كتاب الجمعة وكتاب الطهارة.
- سنن أبي داود، كتاب الصلاة.
- سنن النسائي، كتاب الجمعة.
- صحيح الجامع الصغير للألباني.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.