فضل الاستغفار وسيد الاستغفار: صيغه وثمراته وشروط التوبة
كل ما تحتاجه عن الاستغفار: فضله في القرآن والسنة الصحيحة، ونص سيد الاستغفار وشرحه، وصيغ الاستغفار النبوية، وشروط التوبة، ونصائح عملية للإكثار منه يومياً.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
لا يخلو إنسان من تقصير أو ذنب، ومن رحمة الله بعباده أنه فتح لهم باب الاستغفار، ووعد من طرقه بالمغفرة مهما عظمت ذنوبه. وقد كان النبي ﷺ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، بل مائة مرة، ليعلّم أمته أن الاستغفار عبادة دائمة لا تختص بالمذنبين وحدهم.
في هذا المقال نتناول معنى الاستغفار وعلاقته بالتوبة، وما ورد في فضله من الآيات والأحاديث الصحيحة، ونشرح سيد الاستغفار وصيغاً نبوية أخرى، ونبيّن شروط التوبة كما ذكرها أهل العلم، ثم نختم بنصائح عملية للإكثار منه.
معنى الاستغفار وصلته بالتوبة
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
يُكثر منه في كل وقت، وثلاثاً بعد كل صلاة
الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة في اللغة من الغَفر وهو الستر، ومنه المِغفر الذي يستر رأس المقاتل ويقيه. فمعنى «أستغفر الله»: أسأل الله أن يستر ذنبي فلا يفضحني به، وأن يقيني عاقبته فلا يعاقبني عليه. فالمغفرة تجمع الستر والوقاية معاً.
أما التوبة فهي الرجوع إلى الله بترك الذنب والندم عليه. وإذا ذُكر الاستغفار والتوبة معاً، كان الاستغفار طلب محو ما مضى، والتوبة الرجوع والعزم على عدم العود فيما يُستقبل، وإذا ذُكر أحدهما وحده شمل الآخر. ولهذا جمعهما القرآن في مواضع كثيرة، كقوله تعالى:
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾
فضل الاستغفار في القرآن الكريم
أخبر الله تعالى على لسان نوح عليه السلام أن الاستغفار سبب للمغفرة وللخيرات الدنيوية أيضاً، من المطر والمال والولد والبساتين والأنهار:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾
وجعله الله أماناً من العذاب، فذكر أهل التفسير أن الأمة كان لها أمانان: وجود النبي ﷺ بينهم وقد مضى، والاستغفار وهو باقٍ إلى يوم القيامة:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
ونادى الله عباده المسرفين على أنفسهم نداءً مليئاً بالرحمة، ينهاهم فيه عن القنوط مهما بلغت ذنوبهم:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
سيد الاستغفار: نصه وفضله ومعناه
اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَىٰ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ
مرة في الصباح ومرة في المساء
عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال: «ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة».
رواه البخاري (6306).
سُمّي سيد الاستغفار لأنه جمع معاني التوبة كلها: الإقرار بربوبية الله وألوهيته، والاعتراف بالعبودية له، وتجديد العهد على الإيمان والطاعة بقدر الاستطاعة، والاستعاذة من شر الذنوب، ثم الإقرار بالنعمة والإقرار بالذنب. ومعنى «أبوء»: أعترف وأقرّ. فالعبد يقف بين يدي ربه شاهداً على نعمة الله عليه وتقصيره هو، ثم يسأل المغفرة ممن لا يغفر الذنوب سواه.
استغفار النبي ﷺ وصيغ أخرى ثابتة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
رواه البخاري (6307).
عن الأغرّ المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة». وفي رواية: «إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».
رواه مسلم (2702).
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إن كنا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم».
رواه أبو داود (1516) والترمذي (3434)، وصححه الألباني.
عن زيد مولى رسول الله ﷺ رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غُفر له وإن كان فرّ من الزحف».
رواه أبو داود (1517) والترمذي (3577)، وصححه الألباني.
عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً.
رواه مسلم (591).
عن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً».
رواه ابن ماجه (3818)، وصححه الألباني.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها».
رواه مسلم (2759).
شروط التوبة الصادقة
الاستغفار باللسان عبادة مأجور عليها صاحبها، لكن كماله أن يقترن بتوبة القلب. وقد ذكر أهل العلم للتوبة شروطاً، منها:
- الإقلاع عن الذنب في الحال، فلا يصح أن يستغفر العبد وهو مقيم على المعصية مصرّ عليها.
- الندم على ما فات من الذنب، والحزن على التفريط في حق الله.
- العزم الصادق على ألا يعود إليه في المستقبل.
- ردّ المظالم إلى أهلها إن كان الذنب متعلقاً بحق آدمي، كمال أو عرض، أو استحلاله منه.
ويُضاف إلى ذلك أن تكون التوبة قبل الغرغرة عند الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها، كما دل عليه حديث أبي موسى السابق. وإن عاد العبد إلى الذنب بعد توبة صادقة فلا ييأس، بل يجدد التوبة، فإن الله يحب التوابين.
نصائح عملية للإكثار من الاستغفار
- احفظ سيد الاستغفار وقله مرة في الصباح ومرة في المساء موقناً بمعانيه.
- استغفر ثلاثاً بعد كل صلاة مكتوبة اقتداءً بالنبي ﷺ، فالصلاة نفسها قد يدخلها التقصير.
- اجعل لك ورداً يومياً من الاستغفار لا يقل عن مائة مرة كما كان يفعل النبي ﷺ، ويمكنك ضبطه بعدّاد التسبيح على الويب مع هدف يومي.
- نوّع بين الصيغ الثابتة: «أستغفر الله»، و«رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم»، و«أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه».
- استغفر عقب كل ذنب مباشرة، ولا تؤخر التوبة، واستحضر سعة رحمة الله دون أن تأمن مكره.
- إن أردت من يذكّرك، ففي تطبيق تسبيح تذكيرات يمكنك ضبطها على أوقاتك.
خلاصة
الاستغفار باب رحمة لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وهو أمان من العذاب، وسبب للمغفرة والخير، وكان النبي ﷺ يستغفر في اليوم مائة مرة. وسيد الاستغفار أجمع صيغه، من قاله موقناً فمات من يومه أو ليلته فهو من أهل الجنة. فاجعل لسانك رطباً بالاستغفار، واقرنه بتوبة صادقة، وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب الدعوات.
- صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، وكتاب المساجد.
- سنن أبي داود، كتاب الصلاة.
- سنن الترمذي، أبواب الدعوات.
- سنن ابن ماجه، كتاب الأدب.
- رياض الصالحين للنووي.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.