دعاء ذي النون وأذكار الكرب والهم
دعاء ذي النون «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» وقصته وفضله، مع أذكار الكرب والهم الثابتة في السنة الصحيحة، ونصائح عملية متوازنة للتعامل مع القلق والحزن.
6 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
لا يخلو إنسان من همّ يثقل صدره أو كرب يضيق به حاله؛ مرض، أو دَين، أو فقد، أو خوف من مستقبل مجهول. وقد جعل الله لعباده في هذه اللحظات باباً لا يُغلق: باب الدعاء والذكر، وعلّمنا النبي ﷺ كلمات مخصوصة للكرب، أشهرها دعاء نبي الله يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت.
في هذا المقال نروي قصة ذي النون كما جاءت في القرآن، ونشرح دعاءه وفضله، ثم نجمع أذكار الكرب والهم الثابتة في السنة الصحيحة، ونختم بنصائح عملية متوازنة تجمع بين اللجوء إلى الله والأخذ بالأسباب.
قصة ذي النون في القرآن
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
ذو النون هو يونس بن متّى عليه السلام، و«النون» هو الحوت. خرج من قومه مغاضباً لما أبطؤوا في الإيمان، قبل أن يأذن الله له، فركب السفينة، ثم ألقي في البحر فالتقمه الحوت. وهناك، في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت كما ذكر المفسرون، نادى ربه بهذه الكلمات، فاستجاب الله له ونجّاه. وقد بيّنت آيات الصافات أن تسبيحه كان سبب نجاته، وفي ختام آية الأنبياء بشارة عامة: «وكذلك ننجي المؤمنين»، فليست النجاة خاصة بيونس عليه السلام.
دعاء ذي النون: معناه وفضله
لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له».
رواه الترمذي (3505)، وصححه الألباني.
اشتمل هذا الدعاء على ثلاثة أركان: التوحيد «لا إله إلا أنت»، والتنزيه «سبحانك» أي تنزيه الله عن الظلم والعبث في قضائه، والاعتراف بالذنب «إني كنت من الظالمين». ولم يذكر يونس عليه السلام حاجته صراحة، بل اكتفى بالثناء على ربه والإقرار بتقصيره، وهذا من أبلغ أنواع السؤال؛ فإن الاعتراف بين يدي الكريم يستدعي رحمته. ولهذا يقول أهل العلم إن التوحيد والاستغفار من أعظم أسباب تفريج الكروب.
دعاء الكرب ودعوات المكروب
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم».
رواه البخاري (6346) ومسلم (2730).
عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».
رواه أبو داود (5090)، وحسّنه الألباني.
عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب -أو في الكرب-: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً».
رواه أبو داود (1525)، وصححه الألباني.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».
رواه الترمذي (3524)، وحسّنه الألباني.
يلاحظ في هذه الأذكار أنها قائمة على التوحيد والثناء على الله بأسمائه: العظيم، والحليم، ورب العرش، والحي القيوم. فالمكروب حين يتذكر عظمة ربه يصغر الكرب في عينه، وحين يتذكر حلمه ورحمته يطمع في فرجه. ودعاء «لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» يعبّر عن غاية الافتقار، لأن العبد إن وُكل إلى نفسه وُكل إلى ضعف وعجز.
أدعية الهم والحزن
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجاً».
رواه أحمد، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال».
رواه البخاري (6369).
في الحديث الأول اعتراف كامل بالعبودية، ورضا بقضاء الله وعدله، وتوسل بأسمائه الحسنى، ثم سؤال أن يكون القرآن ربيع القلب، أي ما يحييه ويبهجه كما يحيي الربيع الأرض. وفي الحديث الثاني استعاذة من ثمانية أمور متقاربة: الهم مما يُتوقع، والحزن على ما مضى، والعجز والكسل عن العمل، والجبن والبخل، وثقل الدين، وقهر الناس.
بشارات القرآن لأهل الصبر
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
تكرار «إن مع العسر يسراً» توكيد لوعد الله بأن الشدة لا تدوم، وقد ذكر المفسرون أن العسر جاء معرّفاً واليسر منكّراً، فالعسر واحد واليسر متعدد. وآيات البقرة تبيّن أن الابتلاء سنة ماضية، وأن الصابرين المسترجعين موعودون بصلوات من ربهم ورحمة وهداية.
الذكر والأخذ بالأسباب: نظرة متوازنة
الذكر يطمئن القلب ويخفف الهم، وهذا وعد من الله ومجرَّب في حياة المؤمنين. لكن من الإنصاف أن نقول إن القلق المستمر أو الحزن العميق الذي يطول أسابيع، ويؤثر في النوم والعمل والعلاقات، قد يكون حالة صحية تستحق مراجعة طبيب أو مختص نفسي مؤهل. وطلب العلاج لا يتعارض مع الإيمان ولا مع الدعاء، بل هو من الأخذ بالأسباب الذي أمر به الشرع، كما يتداوى المسلم من أمراض البدن وهو متوكل على الله.
- لا تخجل من طلب المساعدة من مختص موثوق إذا طال الهم أو اشتد.
- تحدّث إلى من تثق به من أهلك وأصدقائك، فالبوح يخفف الحمل.
- حافظ على الصلاة في وقتها، وعلى النوم المنتظم، والحركة والمشي.
- اجعل لك ورداً يومياً من الأذكار والقرآن، ولو قليلاً.
نصائح عملية وخلاصة
- احفظ دعاء ذي النون ودعاء الكرب، وردّدهما عند كل ضيق، مع حضور القلب وتدبر المعنى.
- أكثر من «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»؛ ويمكنك تتبّع عددها بعداد «تسبيح» على الويب.
- اقرن الذكر بالاستغفار والتوبة، فإن الذنوب من أسباب ضيق الصدر.
- ادعُ بحاجتك صراحة بعد الثناء على الله، وأحسن الظن بإجابته.
- راجع صفحات أدعية الهم والقلق والخوف في الموقع لتجد الأدعية مجموعة في مكان واحد.
والخلاصة أن يونس عليه السلام نادى ربه من أعمق الظلمات، فسمعه ونجّاه، ووعد الله بأن ينجي المؤمنين كذلك. فمهما اشتد كربك فبابه مفتوح، وكلمات التوحيد والتسبيح والاستغفار مفاتيح الفرج، مع سعي حكيم في الأسباب وثقة بأن مع العسر يسراً.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب الدعوات.
- صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء.
- سنن أبي داود.
- سنن الترمذي.
- مسند أحمد.
- السلسلة الصحيحة للألباني.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.