آداب الدعاء وأسباب الإجابة وموانعها في ضوء القرآن والسنة
دليل شامل لآداب الدعاء: الإخلاص والثناء والصلاة على النبي ﷺ واليقين والإلحاح، مع أسباب الإجابة وموانعها كأكل الحرام والاستعجال، بالأدلة الصحيحة.
7 دقائق قراءةنُشر: آخر تحديث: إعداد: فريق تسبيح
الدعاء صلة مباشرة بين العبد وربه، لا يحتاج فيها إلى واسطة ولا إلى موعد ولا إلى لغة خاصة؛ يرفع يديه في أي ساعة من ليل أو نهار، ويبث حاجته إلى من يعلم السر وأخفى. ومع هذا اليسر العظيم فإن للدعاء آداباً جاءت بها النصوص، من حافظ عليها كان أقرب إلى القبول، ومن أهملها ربما حُرم أثر دعائه وهو لا يشعر.
في هذا المقال نجمع آداب الدعاء الثابتة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ونبيّن الأسباب التي تُرجى معها الإجابة، والموانع التي تحجبها، ثم نجيب عن سؤال يتردد كثيراً: لماذا أدعو ولا أرى الإجابة؟ مع نصائح عملية تعين على أن يكون الدعاء عادة يومية حيّة لا كلمات تُقال على عجل.
مكانة الدعاء في الإسلام
أمر الله تعالى عباده بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وسمّى الإعراض عنه استكباراً عن عبادته، فقال سبحانه:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
رواه أبو داود (1479) والترمذي (2969)، وصححه الألباني.
فالدعاء ليس مجرد طلب للحاجات، بل هو لبّ العبودية؛ لأن الداعي يعترف بفقره وعجزه، ويقرّ بأن ربه غني قادر سميع قريب. ولهذا جاء الجواب في القرآن عن السؤال عن الله تعالى مباشراً دون واسطة «قل»، إشارة إلى شدة القرب:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
وجعل الله إجابة المضطر من دلائل ربوبيته التي لا يشاركه فيها أحد، فقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]. فكلما اشتد افتقار القلب وصدق لجوؤه، كان أرجى للإجابة.
آداب قبل الدعاء وفي افتتاحه
- الإخلاص: أن يدعو الله وحده، موقناً أنه لا يملك النفع والضر سواه، فلا يصرف شيئاً من دعائه لغيره.
- الطهارة: يُستحب أن يكون الداعي على وضوء، وليست شرطاً؛ فالدعاء مشروع على كل حال.
- استقبال القبلة ورفع اليدين: من الآداب المستحبة التي ثبت فعلها عن النبي ﷺ في مواطن كثيرة.
- الثناء على الله والصلاة على النبي ﷺ قبل السؤال، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصلّ على النبي ﷺ، فقال: «عجل هذا»، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو بعد بما شاء».
رواه أبو داود (1481) والترمذي (3477)، وصححه الألباني.
ومن أعظم الثناء أن يدعو العبد ربه بأسمائه المناسبة لحاجته، فيقول في طلب المغفرة: يا غفور اغفر لي، وفي طلب الرزق: يا رزاق ارزقني، وفي طلب الرحمة: يا رحيم ارحمني. قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً».
رواه أبو داود (1488) والترمذي (3556)، وصححه الألباني.
آداب في أثناء الدعاء
الجزم واليقين: لا يدعو العبد مستثقلاً أو متردداً، بل يعزم المسألة ويحسن الظن بربه، فإن الله لا يُكرهه أحد على شيء حتى يحتاج الداعي إلى التعليق بالمشيئة.
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له».
رواه البخاري (6338) ومسلم (2678).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».
رواه الترمذي (3479)، وحسّنه الألباني.
الإلحاح والتكرار: فالله يحب العبد الملحّ في سؤاله، وكان من هدي النبي ﷺ تكرار الدعاء، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً» (رواه مسلم 1794).
التضرع وخفض الصوت: الدعاء مناجاة لربٍّ قريب سميع، فلا يحتاج إلى صياح ولا تكلف، وقد جمع الله الأدبين في قوله:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
الرغبة والرهبة والخشوع: وصف الله أنبياءه بأنهم يجمعون بين الطمع في رحمته والخوف من عذابه، مع خشوع القلب:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
الاعتراف بالذنب والتوسل بالعمل الصالح: من أرجى ما يُفتتح به الدعاء أن يقرّ العبد بتقصيره ويتوسل إلى الله بطاعته. وفي الصحيحين قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانحدرت صخرة فسدّت عليهم بابه، فتوسل كل واحد منهم بعمل صالح أخلص فيه لله: أحدهم ببرّه بوالديه، والثاني بتركه الفاحشة خوفاً من الله بعد أن قدر عليها، والثالث بحفظه أجر أجيره وتنميته حتى ردّه إليه كاملاً، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون (رواه البخاري 2272 ومسلم 2743).
اختيار جوامع الدعاء والبدء بالنفس: كان رسول الله ﷺ «يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك» (رواه أبو داود 1482، وصححه الألباني)، أي الأدعية القصيرة الألفاظ الواسعة المعاني. ومن الأدب أن يبدأ الداعي بنفسه ثم يعمّ غيره، كما في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: 41].
موانع إجابة الدعاء
كما أن للإجابة أسباباً، فلها موانع ينبغي للمسلم أن يتفقدها في نفسه، وأخطرها أكل الحرام:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً…» ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، «فأنى يستجاب لذلك».
رواه مسلم (1015).
فهذا الرجل جمع أسباباً ظاهرة للإجابة: السفر، والتبذل، ورفع اليدين، والإلحاح بنداء «يا رب»، ومع ذلك استُبعدت إجابته لأن الحرام قد خالط مطعمه وملبسه. ومن الموانع كذلك:
- الاستعجال وترك الدعاء يأساً، كما سيأتي في الحديث.
- الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، كأن يسأل معصية أو يدعو بالتفريق بين الأقارب.
- الاعتداء في الدعاء، كسؤال ما لا يليق أو ما يستحيل شرعاً أو قدراً، أو التكلف والتفصيل المفرط.
- غفلة القلب وانشغاله عن معنى ما يقول، فيردد الألفاظ بلسانه وقلبه لاه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل»، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء».
رواه مسلم (2735)، وأصله عند البخاري (6340) بلفظ: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي».
ومما نهى عنه النبي ﷺ أن يدعو الإنسان على نفسه أو أهله أو ماله في ساعة غضب، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» (رواه مسلم 3009). فليحفظ المسلم لسانه عند الغضب، وليجعل مكان الدعوة السيئة دعوة بالهداية والصلاح.
هل يضيع الدعاء إذا لم تتحقق الحاجة؟
يظن بعض الناس أن الإجابة لا تكون إلا بتحقق المطلوب بعينه وفي وقته، والسنة تبيّن أن صور الإجابة أوسع من ذلك:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذاً نكثر، قال: «الله أكثر».
رواه أحمد، وصححه الألباني.
فالدعاء الصادق لا يضيع أبداً؛ إما أن ترى أثره عاجلاً، وإما أن يُدفع عنك به بلاء لا تعلمه، وإما أن تجده ذخراً يوم تكون أحوج ما تكون إلى الحسنات. وقد يؤخر الله الإجابة لحكمة، ليزداد العبد تضرعاً وقرباً، أو لأن ما سأله ليس خيراً له في علم الله. ومن فهم هذا لم يعرف اليأس طريقاً إلى قلبه.
نصائح عملية لدعاء أكثر حضوراً
- اكتب حاجاتك المهمة في ورقة أو ملاحظة، وكررها في مواطن الإجابة حتى لا تنساها حين يرق قلبك.
- ابدأ بالحمد والثناء، ثم صلِّ على النبي ﷺ، ثم ادعُ بما شئت، واختم بالصلاة عليه أيضاً.
- احفظ مجموعة من الأدعية الجامعة من القرآن والسنة، فهي أكمل لفظاً وأوسع معنى، وتجدها مصنفة في قسم الأدعية في تسبيح.
- راجع مصادر رزقك وطعامك، فطيب المطعم من أعظم أسباب القبول.
- اجعل لنفسك ورداً يسيراً من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ تستعين عليه بعدّاد تسبيح، فهو مما يلين القلب ويهيئه للدعاء.
- لا تترك الدعاء إذا تأخرت الإجابة؛ فاستمرارك فيه عبادة قائمة بذاتها.
خلاصة
الدعاء هو العبادة، وآدابه تدور على إخلاص القلب وحسن الظن بالله: ثناء على الله وصلاة على نبيه ﷺ في أوله، وجزم ويقين وإلحاح وتضرع في أثنائه، وطيب المطعم وترك الاستعجال بعده. ومن حافظ على هذه الآداب واجتنب الموانع فليبشر، فإن ربه حيي كريم لا يرد يدين رُفعتا إليه صفراً، وما من دعوة صادقة إلا ولها ثمرة عاجلة أو آجلة.
طبّق على تسبيح
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب الدعوات.
- صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.
- سنن أبي داود، كتاب الصلاة (أبواب الوتر).
- سنن الترمذي، كتاب الدعوات.
- مسند أحمد.
نحرص على الاقتصار على ما صحّ من الأحاديث مع ذكر تخريجها. إن لاحظت خطأً فنرجو مراسلتنا لتصحيحه، وراجع صفحة المصادر.